عربية القرآن العظيم وأسماء آدم وحواء

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

وعلم آدم الأسماء كلهاقلتُ في أكثر من منشور إن للقرآن العظيم عربيةً قد لا تتطابق مع اللغة العربية القياسية التي تعلمناها في المدارس، وإن هذا يوجب علينا أن نعتمد عربية القرآن العظيم مرجعيةً لنا حتى يكون بمقدورنا أن نتبيَّن ما انطوت عليه آياته الكريمة من معانٍ ينبغي لمتدبِّره أن يحرص على الالتزام بها إذا ما هو أراد ألا يفوته شيء من هذه المعاني الجليلة. وهذا التذكير ضروري قبل أن أدلف إلى الحديث عن التباين القائم بين “التفسير التقليدي” لآية الأسماء في سورة البقرة، والتفسير الذي أذهب إليه. بدايةً لنتدبر الآيات الكريمة التالية: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ. قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُون) (31 -33 البقرة).

فـ “المفسرون التقليديون” لا يبدو أنهم قد توافقوا فيما بينهم على رأي واحد بشأن هذه “الأسماء” التي علَّمها الله تعالى سيدنا آدم عليه السلام. فيكفي أن نعرف أن الأمر قد بلغ بهم حد الزعم بأن هذه “الأسماء” هي أسماء كل موجود في السموات والأرض من أشياء وكائنات! أما ما أذهب إليه من تفسير لهذه “الأسماء”، فهو أنها أسماء الملائكة الكرام عليهم السلام التي لم يكن لآدم أن يعرفها لولا أن الله تعالى قد علَّمه إياها. إذاً فالله تعالى علَّم آدم أسماء الملائكة كلهم أجمعين، وبالمقابل فإنه لم يعلِّم الملائكة إسم آدم وإسم زوجه، فكان ما كان من عرضٍ تميز فيه “علم آدم”، فكان أن أنبأ الملائكة كلهم جميعاً بأسمائهم في الوقت الذي عجزت فيه الملائكة عن إنبائه بإسميهما هو وزوجه.

إن الذي أوقع “المفسّرين التقليديين” في متاهات التخبُّط والضلال هذه، حتى لم يعد بمقدورهم أن يتبيَّنوا حقيقة هذه “الأسماء” على الرغم من شديد وضوح معناها، هو إصرارهم على قراءة النص القرآني بعربيَّتهم التي درسوها وليس بعربية القرآن العظيم. وهذا ما بوسعنا أن نتبيَّنه بقراءتنا الآية الكريمة (فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (من 31 البقرة). فالله تعالى كان يشير إلى آدم وزوجه بـ “هؤلاء”، وهذا ما لم يكن ليتفق مع “المقاربة النحوية” للنص القرآني التي يصر على ضرورة اعتمادها دائماً أبداً هؤلاء “المفسرون التقليديون”! ولقد فات هؤلاء المفسرين أن القرآن العظيم ليس بالضرورة كتابَ نحوٍ ينبغي على آياته الكريمة أن تراعي قواعده التي وضعها بشر! لنتدبر آية أخرى في القرآن العظيم يتضح فيها اختلاف بيِّن عن هذه القواعد النحوية التي وضعها النحاة: (قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُون) (15 الشعراء). فالمخاطب في هذه الآية الكريمة هما سيدنا موسى وسيدنا هارون عليهما السلام. وبالرغم من أن الأصوب نحوياً كان ينبغي أن يجعل الخطاب يشتمل على “معكما”، فإن القرآن العظيم يصر على مخاطبتهما بـ “معكم”.

على أي حال، فإن التفسير التقليدي، بإصراره هذا على المقاربة النحوية للنص القرآني، قد حرم نفسه من أن يكون بمقدوره أن يتبيَّن ما كان بوسع تدبُّره هذا النص المقدس أن يجعله يقع عليه من معانٍ لو أنه التزم عربية القرآن فلم يحد عنها.

أضف تعليق