بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

ذكرتُ في منشور سابق أن الملائكة الكرام عليهم السلام بإمكانهم أن يتمثلوا لنا بشراً أسوياء فيظن الناظر إليهم أنهم بشرٌ أمثالنا وأشباهنا. ولقد وردت في القرآن العظيم عدة إشارات إلى تحقق هذا التمثُّل، فكان أن ظن الناظرون إلى هؤلاء “الملائكة المتمثلين” أنهم إنما يرون بشراً. ويحق لنا أن نتساءل إن كان بإمكان الملائكة أن يتمثلوا بشراً، فهل بمقدور إبن آدم أن يصير ملاكاً؟! لقد ورد في القرآن العظيم ما يمكن أن يقدم إجابة على هذا السؤال المشروع. لنتدبر الآية الكريمة التالية: (وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ) (60 الزخرف).
إذاً يقطع هذا القرآن بإمكانية تحقق هذا “التحول النوعي”، والذي يجعل بمقدور إبن آدم أن يصير واحداً من الملائكة. ولعل هذا أن يكون تأصيلٌا قرآنيا لما شاع وذاع في المأثور الصوفي، المطبوع والمخطوط والمتوارث شفوياً، من أن هناك من المتصوفة مَن بمقدورهم أن يكونوا كالملائكة في حلِّهم وترحالهم غير المتقيد بقوانين الفيزياء والبايولوجيا والفسيولوجيا، التي قدِّر للغالبية العظمى من بني آدم ألا يكون بمقدورهم الإفلات من محكم قبضتها والتحرر من تسلُّطها عليهم. فيكفينا أن نتذكر ما تحفل به الروايات الصوفية من كرامات لأولياء الله الصالحين الذين بمقدورهم جعل الأرض تُطوى لهم فيتحقق لهم بذلك الارتحال من أقصى الأرض إلى أقصاها بلمحٍ بالبصر. وهذا إن دل فإنما يدل على إمكانية تجاوز “القدر البشري” بقدر آخر يتيح لإبن آدم أن يكون بمقدوره التحرر من بُنيته البشرية ليتمثل ببُنية أخرى “متفوقة” تمكِّنه من الظهور والاختفاء وقتما شاء، والارتحال لحظياً إلى حيث يشاء.
