بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
يؤمن المتصوفة بأن لحضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم حقيقةً تتجاوز كونه نبياً مُرسلاً كباقي الأنبياء والمرسَلين عليهم السلام. ومن بين مفردات هذه الحقيقة المحمدية أنه صلى الله تعالى عليه وسلم لم يمت وأنه حي ولكننا لا نشعر بحياته التي لهم عليها الكثير من الشواهد والأدلة. ومن هذه الشواهد والأدلة كرامات أولياء الله الصالحين التي ما كان لله تعالى أن يخرق لهم بها المألوف لولا أنها امتداد للمعجزات المحمدية التي وثَّقتها السيرة النبوية الشريفة. فحضرة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حي بشهادةٍ ودلالةٍ من هذه الكرامات التي هي في حقيقتها معجزاته صلى الله تعالى عليه وسلم. وإذا كان هذا هو ما يجعل من المتصوفة يؤمنون بأن له صلى الله تعالى عليه وسلم حقيقةً، هي الحقيقة المحمدية، تجعله بشراً ولكن ليس كباقي البشر، فإن بالإمكان أن نستشهد القرآن العظيم على هذه الحقيقة وذلك بتبيُّن ما بوسع تدبُّر آياتٍ كريمةٍ فيه أن تجيئنا به من برهانٍ يقطع بهذه الحقيقة ويجعل من غير المتصوفة مُلزَمين بالقول بها طالما كان الواحد منهم يؤمن بأن هذا القرآن لا يمكن أن يكون من عند غير الله تعالى. ومن هذه الآيات الكريمة: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) (من 143 البقرة)، (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) (41 النساء)، (وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاء) (من 89 النحل)، (وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) (من 78 الحج).
إن تدبُّر هذه الآيات الكريمة كفيلٌ بجعلنا نستيقن أن حضرة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لا يمكن أن يكون غير حاضرٍ وناظرٍ، وذلك بشهادته على أمته إلى يوم القيامة. وكفى بهذه الآيات الكريمة برهاناً على أن له صلى الله تعالى عليه وسلم حقيقةً يكون بها ليس كباقي بني آدم الذين لم يقدِّر لهم الله تعالى أن يكونوا “فاعلين” في هذا الوجود من بعد مفارقتهم لواقعه. على أن من تجليات هذه الحقيقة المحمدية أن هذا “التفاعل” مع واقع الوجود مكفولٌ لكل مَن كان له حظ ونصيب من هذه الحقيقة، وذلك بإشراقها عليه طالما كان من الذين ساروا على طريق الله تعالى بالصدق والتصديق فاستحقوا أن لا يكون حالهم كحال مَن فاته تذوُّق تجليات حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم في حاضرنا.
