الآخرة والأولى

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

يظن الواحد منا أنه من “عباد الرحمن”، وفاته أن القرآن العظيم قد عرَّف عباد الرحمن بأنهم الذين يدعون الله تعالى بدعاءَين أحدهما (رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا. إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا) (من 65 -66 الفرقان). فواحدنا قد تمضي عليه عقود من السنين وهذا الدعاء لا يخطر له على بال! كما أن الواحد منا لا يظن أنه يبالغ في النظر إلى نفسه إذ يراها على حالٍ مع الله تعالى يؤهلها لأن تجعله من “أولي الألباب”، وما درى أن قرآن الله العظيم قد ذكر أن “أولي الألباب” يدعون الله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّاب. رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ) (8 -9 آل عمران)، و(رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَار. رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَار. رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ) (من 191- 194 آل عمران).

فمادام الواحد منا لا تخطر له جهنم على بال حتى يدعو الله بدعاء عباد الرحمن وأولي الألباب، لينجِّيه تعالى منها، فهو إذاً ليس بواحد من هؤلاء ولا أولئك، وإن ظن خلاف ذلك! فالواحد منا، بانشغاله بهذه الحياة الدنيا، قد جعل الآخرةَ تتوارى حتى تكاد ألا يكون هناك ما يذكِّره بها طالما كانت هذه الحياة الدنيا هي كل ما يظن ويتوهم أنه يستحق أن يوليه جل اهتمامه. فإذا كان أغلب مَن سبق قد فاضلوا بين “الآخرة” و”الأولى” فاختاروا الأولى على الآخرة، فإن من لحق قد غابت عنهم هذه المفاضلة حتى لم يبق هناك لهم من شاغل ينشغلون به إلا الأولى! وبذلك يكون الواحد منا قد أصبح مُلزماً بوجوب أن يعود إلى ما كان عليه من سبق حتى يكون بمقدوره أن ينتصح بما جاء به القرآن العظيم من حضٍّ على إيثار الآخرة على الأولى حتى لا يكون من الخاسرين في الآخرة. والتصوف يمجُّه أعداؤه طالما كان يدعو إلى تقديم “الآخرة” على “الأولى”، وإن كان في هذا مخالفةٌ لطبائع ومألوفات الأمور! فالأصل عند الإنسان أن يقدِّم العاجل على الآجل، طالما كان في هذا توافقٌ مع التراتب الكرونولوجي الذي تجيء بموجبه الآخرة بعد الأولى! إلا أن التصوف، بهذا الإصرار منه على إيثار الآخرة على الأولى، يبرهن على أن مقاربته للقرآن العظيم هي الأصح طالما مكَّنته هذه المقاربة من أن يقع على جوهر رسالة هذا القرآن الذي ما جاء إلا ليحذِّر الإنسان من الآخرة، وليدعوه أن يفعل كل ما بوسعه ليُزحزح عن نارها.

ومتدبر القرآن العظيم لن يعجز عن أن يتبيَّن فيه ما يؤكد هذا الذي يقول به التصوف من أنه قد وقع على جوهر هذا القرآن بهذا الإلحاح منه على تقديم الآخرة على الأولى. فاللهُ تعالى خاطب حبيبه صلى الله تعالى عليه وسلم بقوله (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى) (4 الضحى)، أي خيرٌ لك وأجدر بك أن تنشغل بالآخرة فلا تشغلك الأولى عنها. وهذا ما نراه جلياً في ما نصح به أهل العلم قارون بقولهم (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) (من 77 القصص). والقرآن العظيم قد حرص على أن يذكِّرنا بما يريد الله تعالى، والذي ينبغي علينا بالتالي أن يكون هو مرادنا نحن أيضاً (وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) (من 68 الأنفال). وبذلك يحذِّرنا القرآن العظيم من أن نكون من الذين يريدون الدنيا، وذلك بقوله (مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) (من 152 آل عمران). فالله تعالى قدَّم الآخرة على الأولى بقوله (فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى) (25 النجم).

أضف تعليق