بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
يبرهن الإنسان على ظلمه وجهله اللذَين جُبل بهما بهذا الفشل منه في تشخيص ما حبى الله تعالى به الحيوان من خُلُق رفيع. بل أن ظُلم الإنسان وجهله يجعلانه يظن ويتوهم أن الحيوان أدنى منه شأناً ومرتبةً؛ كيف لا وهو لم يحظ بعقلٍ كعقله الذي جعله سيد كوكب الأرض بلا منازع؟! والعجيب أن الإنسان عجز عن أن يتبيَّن ما يتفوَّق به الحيوان عليه فلم يتمكن من تبيُّن عجز الحيوان عن أن يباريه مقدرةً فذة على الإفساد في الأرض وسفك الدماء! فلو أن الإنسان أنصف لاتخذ الطبيعة له مدرسةً، والحيوان معلماً، ولكن أنى له ذلك وهو الذي جُبِل على الغرور والتكبُّر والخيلاء؟!
لقد فات الإنسان أن يتذكر أنه لا يمكن بحالٍ أن يُداني الحيوان خُلُقاً، طالما كان قد اختار أن يحمل الأمانة التي عزف عن حملها الحيوان والجماد إباءً وإشفاقاً منها. وبذلك فقد فات الإنسان أن يُدرك أن التفوق الأخلاقي للحيوان عليه مردُّه هذا الإباء والإشفاق اللذين جعلا من الحيوان يستحق أن يكون ربيب الله عز وجل الذي تعهده بالتربية والرعاية والعناية، فكان أن سما بأخلاقه وتفوَّق على الإنسان الذي ما عادَ عليه حمله الأمانةَ إلا بكل ما نجم عن الظلم والجهل اللذين جعلاه يسارع إلى حمل الأمانةَ أصلاً!
إن الطبيعة هي عالم الله تعالى، وهذا العالم لا يحدث فيه إلا كل ما هو متوافقٌ مع القوانين والسُّنن الإلهية التي خلقها الله لتطيعها هذه الطبيعة بكافة مفرداتها من نباتٍ وحيوان. ولذلك فلن تجد في الطبيعة ما هو متناشز مع قوانين الله تعالى وسُننه. وهذا هو علة ما يتميز به عالم الطبيعة من افتقارٍ إلى الظلم والجهل اللذين لا قيام لعالم الإنسان إلا بهما. فعالم الإنسان هو عالم الظلم والجهل طالما كان كل ما يحدث فيه من تناشزٍ مع قوانين عالم الطبيعة وخروجٍ عليها بالإمكان أن يُرَد إلى هذا الظلم والجهل.
إن الحيوان بمقدوره أن يقدِّم للإنسان ما يحتاج أن يتزوَّد به من أخلاقٍ تيسِّر له سبيل الإياب إلى الله تعالى، وذلك بإقراره أنه لن تُكتَب له النجاة إلا باختياره أن يعبد الله تعالى، وأن يتخلى، وإلى الأبد، عن حمله الأمانة مُقِراً أنه أعجز عن أن يكون بمقدوره أن يحمل ما أبت السموات والأرض والجبال أن تحملنها وأشفقن منها.
