بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

القرآن العظيم، كما ينظر إليه مشايخ الطريقة، كائنٌ حي. وهم يُجلُّونه إجلالاً يجعل الواحد منهم يهبُّ واقفاً لمن يدخل عليه بنسخةٍ من المصحف الشريف، وذلك توقيراً له وتعظيماً. وإذا كان التصوف هو ممارسة الإسلام والتديُّن به بإتقان، فإن إجلال مشايخ التصوف لهذا القرآن قد جعل منهم حريصين على الإرشاد إلى كل ما يعجّل بجعل متدبِّر القرآن العظيم يسعى جاهداً ليكون قرآناً ناطقاً وذلك بالائتمار بأوامره والانتهاء عن نواهيه. ولذلك تجد أذكار وأوراد مشايخ التصوف، التي يطالبون مريديهم بوجوب الالتزام بها ما استطاعوا، قد اشتُقَّت من آيات القرآن العظيم. فهذا القرآن ليس كما نتوهم ونظن إذ ننظر إليه فلا نرى إلا مصحفاً فيه سور تتكون من آيات فحسب؛ إذ أن لهذه الآيات بركات عجائبية بمقدور من قُدِّر له أن يحيط ببعضٍ مما انطوت عليه من طاقةٍ أن يقهر بها بعضاً مما هو من المستحيلات بحكم ما تواضع عليه بنو آدم. ولذلك كان المتصوفة هم أكثر أفراد الأمة المحمدية قدرةً على اجتراح الكرامات طالما كانوا الأكثر إيماناً وإيقاناً بما احتوت عليه آيات القرآن العظيم من أسرارٍ وبركات، وطالما كانوا الأحرص على ألا يفوتهم من هذه البركات والطاقات شيء، فتراهم مواظبين ليل نهار على العمل بهذا القرآن انضباطاً بمحدداته وضوابطه ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.
إن كرامات أولياء الله تعالى قد أصَّل لها القرآن العظيم في كثير من آياته. ومن هذه الآيات الكريمة: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون) (21 الحشر)، (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى) (من 31 الرعد). فهذه الكرامات، بما تنطوي عليه من عجائبية وغرائبية يعجز الخيال عن مضاهاتها، هي غيض من فيض ما بوسعه أن يجيء به تدبُّر ما انطوى عليه القرآن العظيم من أسرار وبركات. وهكذا تدبُّر هو ليس بالأمر اليسير، وذلك طالما اقتضى من العابد السالك أن لا يكون كل حظ القرآن العظيم منه ترديد آياته بلسانه فحسب. فتدبُّر ما انطوى عليه هذا القرآن من أسرار وبركات يستوجب منك أن لا تناقض نفسك وأنت تقرأ هذا القرآن فتؤمن ببعض من آياته وتكفر بالبعض الآخر، وذلك بإقبالٍ وإعراض يُزيِّن لك القيام بهما هوى نفسك. فما لم يكن القرآن العظيم عندك هو كله من عند الله، وذلك بإيقانك أن كل ما فيه يتطلب منك الحرص على ألا يفوتك بإعراضٍ من قلبك وانصراف من عقلك، فلن تُفتَّح لك أبواب أسراره أبداً، ولن يكون بمقدورك أن تلج إلى عوالمه الغيبية التي ما غابت عن إدراك الغالبية العظمى من قارئيه إلا لعجزهم عن القيام بما يتطلبه تدبُّره من استحقاق قائم على تقوى من الله ورضوان.
