بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

قد يظن البعض أنني قد ذهبتُ بعيداً في مناصبتي العلم النظري العداء، وذلك لإصراري على التنديد بهذا الانبهار به وبتشديدي على وجوب التفريق بين حقائق العلم ونظرياته، وعلى ضرورة ألا يُضاهى بين ما جاءنا به العلم من تطبيقاتٍ تقنية يسَّرت لنا عيشنا ومكَّنت لنا في الأرض، وبين ما افترضه العلماء من فرضيات ظنوا أن بمقدورهم أن يستعينوا بها على التعليل لكل ما يحدث في الوجود من وقائع وأحداث. وهذا ظنٌّ في غير محله، طالما كان الدافع من وراء حملتي الشعواء هذه على العلم النظري قد انطلق من ذات المنطلق الذي انطلقتُ منه في انتقادي اللاذع للمقاربات التقليدية للدين والتديُّن. فالقاسم المشترك الذي ينتظم هذا النقد مني للعلم النظري، ولهذه المقاربات “الدينية” القاصرة، هو ما يجمع بين هذه النتاجات الفكرية من تصورٍ مخطوء للوجود. وهذا التصور قائم على أساسٍ من الانصياع والإذعان لما تزيِّنه نفس الإنسان وتدفع به. ولذلك فلا يمكن على الإطلاق أن يكون مرَدُّ هذا النقد ومرجعه هو هذا الإصرار مني على عدم القبول بما يتناقض مع ما أؤمن به من فكرٍ يخالف عن هذا الذي اجتمع على الإقرار به العلم النظري وهذه المقاربات “الدينية” غير الموفَّقة. فالأمر أبسط بكثير من هذا الذي يُظَن أنه الدافع من وراء تشبُّثي بموقفٍ مناوئ لما تدفع به النفس ويأمر به هواها.
فإذا ما أردتُ أن أُدافع عن موقفي النقدي من “المقاربات الدينية” هذه، فلن أحتاج إلى إيراد كثيرٍ من الأسانيد والبراهين طالما كانت هذه المقاربات قد فشلت في الوقوع على جوهر رسالة الدين، وذلك بسببٍ من إصرارها على قراءته بعينٍ عجزت عن إزاحة ما ران عليها من غشاوةٍ نسجتها الظنون وما تهوى الأنفس.
أما موقفي النقدي من العلم النظري، فحجَّتي التي أُسوِّغ بها له هي الأخرى لا تحتاج مني لاستقدام غير ما يُمليه عليَّ وجوب ألا يدفع بي الانبهار بمُنجَزات العلم الواقعية إلى تصديق كل ما جاء به العلماء من افتراضاتٍ ونظريات لا لشيء إلا لأن العلم، وفقما يظن هؤلاء، لا فرق بين جانبه النظري وجانبه التجريبي- الاختباري! وهذا الموقف النقدي من العلم ينطلق من خلفيةٍ أبستمولوجية مشروعة؛ إذ كيف يُعقَل أن لا يكون هناك من ضيرٍ في قيام العلم بتقديم ما يظن ويتوهم أنه “تفسير علمي” للدين ينسف هذا الدين من أساسه، في الوقت الذي يُستهجن أن يكون للدين رأي في العلم يمحِّص مزاعمه ويفنِّدها طالما كان لهذا الدين أن يستقي من مَعين يعجز هذا العلم عن الوصول إليه؟! فكما أن للعلم أن يحاول أن يُفنِّد ما جاء به الدين، فكذلك للدين أن يُقيِّم ما يزعم به العلم، والأمر متروك بعدها للواقع ليحكم أيُّ الفريقين أحق أن يُتَّبع.
