الجمال النائم

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

قبل أن يجنح الخيال بقارئ هذا المقال فيظن أني سأتحدث فيه عن هذا القط الجميل النائم، أو عن قصة “الجمال النائم” (Sleeping Beauty)، أرى أنه يتوجب عليَّ أن أشير إلى أنني سوف أتحدث عن أمرٍ آخر غير هذين الأمرين.

بدايةً لابد لي من أن أتطرق إلى رأي أخالف به عما تذهب إليه المقولة الشهيرة “الجمال هو في عين رائيه” (Beauty is in the eye of the beholder). فهذه المقولة تزعم أن ما يبدو لك جميلاً قد لا يكون كذلك في نظر غيرك! وهذا ما لا أتفق معه، إذ أنني أرى أن الجمال لا يمكن أن يكون حكماً يطلقه الناظر إليه يوافقه عليه من اتفق معه ويخالفه فيه من لم يتفق! فالجمال صفة الشيء الجميل الذي لا يملك إلا أن يكون متصفاً به سواء استطاع الناظر إليه أن يشخِّصه أو عجز عن تشخيصه. والجمال بهذا المعنى هو كالحقيقة التي لا يمكن إلا أن تكون حقيقة، بغض النظر عن رأي الناس فيها، اتفقوا أم اختلفوا بشأنها.

على أن الجمال، الذي يظن الإنسان أن بمقدوره أن يشخِّصه في كل ما هو جميل، ما هو إلا ظلٌّ وصورة عن جماله الحقيقي. وهذه حقيقة ما كان لنا أن نحيط بها لولا ما جاءنا به المتصوفة من نبأ يقين بشأنها. فالمتصوفة يقولون لنا إن للأشياء الجميلة جمالاً واقعياً هو ذاك الذي بمقدورنا أن نقع عليه، وآخر حقيقياً لن يكون بمستطاعنا أن نحيط به إلا إذا كنا من “أهل الحقيقة” الذين لا حجاب بين الأشياء وبينهم يحول دون أن ينظروا إليها فيرونها على ما هي عليه حقاً وحقيقة. ولقد أنبأنا المتصوفة بأن للوجود جمالاً “نائماً” لن يكون بمقدور الواحد منا أن يتبيَّنه إلا إذا ما هو أفاق من نومه! فليس ما يحول بيننا وبين أن نتبيَّن جمال الوجود كون هذا الوجود يغط في سبات عميق، ولكن الحائل هو أننا نحن النائمون!

إذاً، فالجمال مبثوث من حولنا ولكننا عاجزون عن أن نتبيَّنه طالما كنا نياماً. والتصوف وحده من بمقدوره أن يوقظك من نومك هذا فيجعلك قادراً على أن تنظر إلى الوجود فتراه بحُلَّته التي خلقه الله تعالى بها يزهو في جمالٍ أخاذٍ حجبته عنك نفسك التي لا خلاص لك منها إلا بسيرك على طريق الله تعالى منضبطاً بضوابطه.

أضف تعليق