بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

إن المرء ليعجب لهذا الذي يجعل من الإنسان يظن ويتوهم أن واحداً من أقوى البراهين على كونه متديناً هو هذا الحرص منه على ألا ينظر حواليه فيرى مَن يخالفه في الدين والمعتقد! ولذلك تراه لا يهنأ له عيش طالما كان “الاختلاف” هو ما عليه الأمر! وبذلك تكون قد وقعتَ على “المفتاح السحري” الذي بوسعه أن يفتح لك أبواب التاريخ البشري على مصراعيها فيكون بمقدورك عندها أن تتبيَّن السبب الذي جعل “الدين” هو أكثر ما برَّر به الإنسان لحربه على أخيه الإنسان على مر الزمان. فما كان ليضير هذا الإنسان لو أنه قبل بـ “شرعة الاختلاف” منهاجاً للعيش على الأرض فيغدو بذلك ممكناً أن يتعايش البشر دون أن يحرص واحدهم على اضطرار من يخالفه في المعتقد والدين إلى التدين بهذا الدين؟!
فالدين ما جاء ليفرضه الواحد منا على الآخرين جبراً وقسراً! واللهُ ما أمر أحداً من خلقه ليرغم الآخرين على أن يدينوا بدينه؛ فلو أن الله تعالى يريد الناس أن يكونوا متدينين بدينه لما كان ذلك ليعجزه، ولما تطلب الأمر أن يطالب أتباع دينه بفرض هذا الدين على الآخرين! ولكنه الإنسان الذي تبلغ به الحماقة والجهالة حد أن يتصور أنه أكثر حرصاً على دين الله من الله، وأنه أعلم منه بما يقتضيه الأمر حتى يسود السلام والوئام الأرض بهذا الذي يجعل منه يفعل كل ما بوسعه لفرض “دين الله” على خلقه! ولقد فات الإنسان أن يعلم أن السلام لن يسود الأرض حتى ولو كان البشر كلهم جميعاً على دين واحدٍ هو دينه. فليس “التناشز الديني” هو العلة من وراء تقاتل بني آدم، طالما كانت هذه العلة تضرب بجذورها عميقاً في الزمان إلى يوم أكل آدم وحواء من الشجرة التي نُهيا عنها، فعادت عليهم تلك الأكلة وبالاً تعيَّن على ذريتهما أن تعاني الأمرين جراءه.
فما الداعي إذاً إلى محاربة الآخرين بغية إجبارهم على التديُّن بدينك، طالما لن يكون في ذلك ما يجعل منهم ومنك بمنأى عن أن يعادي بعضكم بعضاً؟! الأجدر إذاً هو أن تتقبَّل الآخرين، تديَّنوا بدينك أم كان لكلٍّ دينه وليلاه. فهذه الأرض قد قُدِّر على بني آدم أن يعيشوا حياتهم الدنيا عليها يعادي بعضهم بعضاً، ولن تزول هذه العداوة إلا بقدَرٍ إلهي يُزيح ذاك القدر الضارب في القِدم، وهذا أمرٌ متروكٌ لله تعالى وليس لنا يدٌ فيه.
ولقد برهن القرآن العظيم على تفوُّقه المعرفي بهذا الإنباء منه بأن الناسَ لن يصبحوا متَّفقين حتى ولو كانوا على دينٍ واحد، طالما كان اختلافهم هذا مرجعه هو غير ما يختلفون عليه من أسبابٍ تنتمي لواقعهم المحدَّد بـ “الهُنا” و”الآن”، وطالما كانت العلة في هذا الاختلاف قد تسبَّب فيها عجزُ آدم وحواء عن أن يكون لهما عزمٌ يحول دون أن يأكلا من تلك الشجرة (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِين. إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِين) (118 -119 هود)
