بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

قد يعجب البعض لهذا الإصرار مني على مقاربة الأمور مقاربةً صوفية. فما للتصوف وأصل الإنسان؟ وما للتصوف ونشأة الكون؟ وما للتصوف وحقيقة الفضائيين؟ وما للتصوف وغزو الفضاء؟ وما إلى ذلك…
وهذا التعجب مرده تصور مخطوء تكون للتصوف بموجبه مساحة ينبغي عليه ألا يتجاوز حدودها. وهذا أمر لا يمكن لي أن أقبل به طالما كان التصوف هو لاشيء غير ممارسة الإسلام بإتقان. والإسلام كتابه هو القرآن العظيم الذي يتفوق معرفياً على كل مشروع فكري وضعي، طالما كان هذا القرآن قد أنزله الله تعالى تبياناً لكل شيء (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِين) (من 89 النحل). كما أن التصوف، بهذا الحرص منه على جعل المتصوف يناصب نفسه العداء، قد جعل من أي جهدٍ معرفي يبذله هذا المتصوف بمنأى عن أن تخالط نتاجه شوائب مما تزيِّنه النفس وما يأمر به هواها. فالعلم آفته الغرور، وذلك كما علَّمنا حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم. وهذا هو مقتل العلم الذي لن يكون بمقدور صاحبه أن ينجو من التخبط في متاهاته.
كما أن التصوف يتيح للمتصوف أن ينظر إلى الوجود فلا يراه بعين عقلٍ يتوهم أن ما يحدث فيه هو نتاج أسبابٍ لا حاجة له معها إلى التعليل لها بأن هناك حقيقةً متواريةً كامنة من وراء هذه الأسباب. والتصوف يمكِّن المتصوف من مقاربة الماضي والحاضر والمستقبل بعقلٍ بمقدوره أن “يستقبل” من الحقائق ما يعجز غيره عن الإحاطة بها، طالما كان التصوف يمكِّن المتصوف من أن يكون عقله “متناغماً” مع الوجود بهذا الإخلاص منه لله توحيداً وعبادةً خالصة من كل ما يداخل العبادات عادة من شوائب الرياء والانبهار بالنفس.
فكيف لا يكون إذاً للتصوف رأي في كل مسألة، وهو الذي يمكِّن المتصوف من أن لا يكون لنفسه رأي في أية مسألة؟!
