بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
قد يظن الناظر إلى الطبيعة أن ما يراه فيها من افتراس تقوم به كائناتها الحية، إذ يغتذي بعضها على بعض، إنما هو قسوة لا مبرر لها! وهذا هو حكمٌ جائر بحق الطبيعة وكائناتها الطبيعية طالما كان كل ما يحدث لهذه الكائنات قد قدَّره الله تعالى. ولكنه الإنسان فينا يأبى إلا أن يقارب الأحداث من وجهة نظرٍ لا علاقة لها بالحقيقة، طالما كان عقل هذا الإنسان بيد نفسه توجهه أنى شاءت! فهذا الإنسان يظن أن بمقدوره أن يقع على حقيقة الأمور طالما كان بمستطاعه أن يحيط بظاهر واقعها! وأنى لحقيقة الأمور أن تتجلى لمن عجز عن أن يحيط بغير ظاهر واقعها؟! فالإنسان، كما يقول المثل الغربي الدارج، يعجز في كثير من الأحيان عن أن يرى الغابة طالما كانت عينه لا تنظر إلا إلى واحدة من أشجارها!
وهكذا يظن الإنسان ويتوهم أن في الطبيعة قسوةً طالما لم يكن هناك من تفاهم بين كائناتها إلا بلغة الناب والمخلب! ولقد فات هذا الإنسان أن يعي أن الطبيعة لا تشاركه هذه النظرة المجتزئة التي يُخيَّل إليه معها أن للفرد كينونة ينبغي على هذه الطبيعة أن تُجلَّها وتوقِّرها وتحترمها، وذلك بسببٍ مما درج عليه هذا الإنسان من عجزٍ عن ألا يقوم بمضاهاة يتصور نفسه فيها الضحية التي تم افتراسها! فالفرد لا يمثل للطبيعة إلا أداةً تنفِّذ بوساطةٍ منه البرنامج الإلهي الذي صُمِّمت لتعمل جاهدةً على تحقيقه؛ فإذا ما استلزم الأمر أن يتم افتراسه حتى يُكتب للحياة البايولوجية أن تنتشر وتزدهر، فليس في هذا ما يضير طالما كانت تلك الغاية تبرر هذه الوسيلة! إن ما ينبغي على الإنسان أن يدركه بهذا الخصوص، هو أن الهدف الذي تسعى الطبيعة جاهدةً لتحقيقه لا علاقة له بفردية أي فرد من أفرادها، طالما كان هذا الهدف يدور في فلك الغاية التي خُلقت هذه الطبيعة لتصل إليها. فانتشار الحياة البايولوجية على كوكب الأرض هو غاية الطبيعة، وإن كان في هذا الانتشار ما يجعل من الناظر إلى الأسباب المؤدية إليه يرى فيها قسوةً وظلماً وجوراً.
إن النظرة الصائبة إلى الطبيعة، هي تلك التي تراها بعين عقلٍ يدرك أن هذه الطبيعة هي عالم الله تعالى الرحمن الرحيم، ولن يكون بمقدور الإنسان أن يفقه ما يحدث في هذه الطبيعة إلا إذا ما توقف عن أن يسبغ عليها مشاعره وأحاسيسه التي يُخيَّل إليه معها أن هذه الطبيعة لا تقوم إلا على أساسٍ من القسوة والظلم والجور.
