بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
لا قدرةَ للإنسان على أن يفقه الطبيعة وما يجري فيها من أحداث إلا إذا ما هو قارب الأمر دون إسباغٍ منه لمشاعر وأحاسيس هي في نظر هذه الطبيعة مفرداتٌ غريبة عنها بحكم انتمائها وعائديتها إلى هذا الإنسان الذي سبق له وأن خرج على قوانينها بتناشزه وشذوذه عنها. وأنت إذا ما قُيِّض لك أن تراجع ما كتبه الإنسان عن الطبيعة، فلسفةً وعلماً، فلن تعجز عن أن تقع على كل ما يؤكد أن كل مقاربة لها من قِبله لم تكن بمنأى عن مشاعره وأحاسيسه. ولذلك كانت نظرة الإنسان إلى الطبيعة تفتقر إلى الحقيقة، طالما كانت هذه النظرة عاجزةً عن أن ترى فيها غير تصوراته وافتراضاته وتنظيراته! فلقد عجز الإنسان عن أن يتبيَّن ما تنشغل به الطبيعة من “هَمٍّ” جعلها انشغالها به عاجزةً عن أن تصاحب هَمَّها هذا هموم أخرى. و”هَم الطبيعة” هذا قد تحتَّم عليها أن تنشغل به مذ أمرها الله تعالى بأن تعمل جاهدةً على أن تنشر الحياة البايولوجية وتُعمِّم هذا الانتشار في عموم كوكب الأرض، براً وبحراً وجواً، فكان أن شرعت هذه الطبيعة بتكليف كل فردٍ من أفرادها بالعمل على تنفيذ ما كُلِّفت به ما استطاع إلى ذلك سبيلاً. ولن يكون بمقدورنا أن نتبيَّن حق التبيُّن “هَم الطبيعة” هذا إلا إذا ما نحن أدركنا أنها قد قامت بتكليف كل فرد من أفرادها، منذ بداية ظهور الحياة البايولوجية على هذا الكوكب، بـ “مهمة” نشر هذه الحياة كما لو أن الأمر كله منوطٌ به وحده.
فإذا كان هذا هو “هَم الطبيعة”، فإن “مهمة الفرد” فيها لن يكون بمقدورنا أن نقدرها حق قدرها إلا بأن نتصور هذا الفرد “مهموماً” هو الآخر بهذا الهَم الذي سيشغله دون وعي منه، كما لو أنه كان الفردَ الوحيد الذي يتعيَّن عليه أن يُنفِّذ مهمة نشر الحياة البايولوجية في عموم الكوكب. وهذا هَم جسيم طالما كان الفرد مهموماً به كما لو أنه كان الوحيد الذي يتوجب عليه أن ينفِّذ ما كُلِّفت به الطبيعة بمعزلٍ عن أي فرد آخر من أفرادها. ولك أن تتصور ما يعنيه هذا بتذكُّر أن هناك آلاف البلايين من أفراد الطبيعة يتصرف كل واحد منهم كما لو أنه كان جندي الطبيعة الأوحد. وبذلك يكون بمستطاعنا أن ننظر إلى الطبيعة فنرى كل فردٍ فيها وهو يجتهد، دون وعي منه، لينفذ ما كُلِّفت به الطبيعة حتى ليكاد أن يكون هم كل فردٍ فيها هو همها الشاغل الذي يجعل منه مهووساً به ما كان حياً. وبذلك تكون الطبيعة قد ضمنت لنفسها جيشاً من هؤلاء “الأفراد المخلصين” الذين يعمل كل منهم على تحقيق ما انشغلت به من هَم بكل ما أوتي من قوة دون أن يكون هناك أي تراخٍ أو تكاسلٍ أو تقاعس، ودون أن يقول الواحد منهم “دع غيري يقوم بالأمر عني”. فكل فردٍ في الطبيعة تدفع به لتحقيق برنامجها قوة لن يكون بمقدورنا أن نقيسها إلا بتصوّرنا لها على ما هي عليه حقاً وحقيقة، وذلك بتعريفنا لها بأنها “قوة الطبيعة ذاتها”.
