بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
بالإمكان تعريف التصوف بأنه الحل الذي جاء به الدين الإلهي لمشكلة الإنسان، التي تعيَّن عليه أن يعاني منها بالضرورة، جراء أكله من الشجرة التي نُهي عنها. وهذه المشكلة، الضاربة بجذورها عميقاً في ماضي الإنسان السحيق، تُلقي بظلالها الثقيلة على كافة جوانب بُنيته، البايولوجية والفسيولوجية والسايكولوجية، وبما يجعل منه مخلوقاً متناشزاً مع الطبيعة، شاذاً عنها، خارجاً على سُننها وقوانينها الإلهية. ولقد انعكس هذا كله على الإنسان عجزاً عن أن يكون بمقدوره أن يعيش بمنأى عن الشقاء والعناء والبلاء والكأداء. والتصوف يقدم للإنسان ما يمكِّنه من أن ينظر إلى نفسه فيراها على حقيقتها البشعة: كياناً متألهاً يريد منه أن يبقى أسيره. والتصوف يُعين الإنسان على تشخيص هذه النفس التي بداخله فلا يظن بها إلا ما تستحقه من توصيف، وذلك حتى لا يكون بمقدورها أن تُمعن في إضلاله والنأي به عن جادة الصواب. وجادة الصواب هذه هي دين الله تعالى الذي بوسع التصوف أن يأخذ بيد الإنسان ليسير وفقما يقضي به فيعمل على مناصبة نفسه العداء السافر ويشرع بالتخلي عنها شيئاً فشيئاً حتى لا يعود بمقدورها أن تُملي عليه أوامرها.
وبذلك يكون التصوف قد نجح في جعل المتصوف يعي ما يعنيه أن يكون إنساناً، بهذا الإدراك منه لما نجم عن أكله من الشجرة المحرمة، وبهذا الإيقان منه أن ما من سبيل لشفاء ما تضرر فيه، جراء تلك الأكلة المحرمة، إلا بأن ينتهج دين الله تعالى فتُكتب له النجاة دنيا وآخرة. وهذا ما لا قدرةَ لغير التصوف على فعله، طالما لم يكن ما أسس عليه التصوف بنيانه هو مما ينتجه العقل، وطالما كان التصوف بمنأى عن أن تطاله شوائب النفس وهواها بهذا العداء منه لها، والذي تبرهن عليه الضوابط والمحددات التي يتقيد بهما كل من انتهج منهجه.
