بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
قالت العرب قديماً إن خير الكلام ما قَل ودَل، وذلك تعبيراً عما تواضعوا على الإشارةِ إليه بأنه “السهل الممتنع”، أو “الوجيز البليغ”. ولقد أوجز سيدنا شعيب عليه السلام الرسالة الإلهية، التي كُلِّف بحملها إلى قومه، بكلمات قلائل انطوت على الخلاصة التي تجلت في كل رسالة من الرسالات الإلهية التي أرسل الله تعالى بها رسله من قبل ومن بعد. فالدين الإلهي على مر الزمان يدور في فلك التوحيد لله تعالى والإيمان باليوم الآخر. ورسالات الله إلى بني آدم كلها جميعاً، وعلى مر الزمان، تمحورت من حول توحيده تعالى والإيمان باليوم الآخر، وذلك لأن الإنسان يأبى أن يؤمن بالله دون إشراك به تعالى (وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ. وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُون) (105- 106 يوسف). كما أن هذا الإنسان لا يريد أن يصدق أنه مبعوث من بعد الموت للحساب والجزاء (فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ. وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُون. وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُون. أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ. هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ. إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) (32 -37 المؤمنون).
ولقد لخص القرآن العظيم الرسالة الإلهية التي انطوى عليها الدين الإلهي بكلماتٍ لخَّصتها الآية الكريمة 87 من سورة النساء (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا). ألا تُذكِّرنا هذه الكلمات الجليلة بما قاله سيدنا شعيب عليه السلام لقومه: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِين) (36 العنكبوت).
وهكذا أجمع أنبياء الله تعالى ورسله على تذكير أقوامهم بهاتين الحقيقتين اللتين تمجُّهما وتشمئز منهما نفس الإنسان الذي ليس بمقدوره أن يقارب الوجود بغير عقلٍ، إذا ما هو آمن بالله تعالى فلابد وأن يشرك به، وذلك طالما كان عقله هذا لا يريد أن يصدِّق أن كل ما في هذا الوجود هو من صنع إلهٍ واحد، وأن هذا الإله ما كان ليخلقه عبثاً فيجعل من حياته تنتهي بموتٍ لا حياة بعده!
