بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

امتدح القرآن العظيم سيدنا سليمان عليه السلام فوصفه بأنه “نِعم العبد” (وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) (30 ص). ولقد اختص الله تعالى سيدنا سليمان عليه السلام بفضلٍ عظيم ليس بمقدورنا أن نحيط به على ما كان عليه حقاً وحقيقة. فيكفينا أن نتذكر أن الله تعالى قد استجاب دعاءه عليه السلام بأن يهب له مُلكاً لا ينبغي لأحد من بعده (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ. فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ. وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ. وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَاد. هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ. وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ) (35 -40 ص). ومن بين عظيم فضل الله تعالى على سيدنا سليمان عليه السلام ما بوسعنا أن نتبيَّنه بتدبر الآيتين الكريمتين 12 -13 من سورة سبأ (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِير. يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُور).
فإذا كان سيدنا سليمان عليه السلام نِعم العبد، وإذا كان الله تعالى قد اختصه بعظيم فضلٍ من بين مفرداته أن الجن كانوا يأتمرون بأمره فيعملون له ما يشاء، وإذا كانت التماثيل هي من بين ما كانت تصنعه الجن له عليه السلام، فلماذا إذاً يريدنا المتشددون والمتزمتون أن نشاركهم ظنهم الواهم بأن التماثيل حرام؟! فلو كانت التماثيل حراماً، لما كان نِعم العبد، سليمان عليه السلام، ليأمر الجن بأن يصنعوها له! وهذا مثالٌ من القرآن العظيم بوسعك أن تستعين به لتتبيَّن ما جار به هؤلاء المتشددون المتزمتون على الأمة بادِّعائهم وزعمهم أن الإسلام قد حرَّم الفن، موسيقى وتمثيلاً ونحتاً وغناء وغير ذلك.
فهؤلاء المتزمتون المتشددون يسوِّغون لتحريمهم الفن بأنه فتنةٌ وبأنه يثير الشهوات الكامنة المتوارية، وأنهم بهذا التحريم للفن إنما يسعون إلى المحافظة على شباب الأمة من الغواية وما تجرُّ إليه من وقوع في المعاصي! ولو أن هؤلاء المتزمتين المتشددين كانوا صادقين لما ناصبوا التصوف العداء طالما كان ما يدفع إلى الوقوع في المعاصي هو النفس التي يحرص التصوف على محاربتها بهذا الإصرار منه على تشخيصها عدواً لا يقل عداء مبيناً للإنسان عن الشيطان الرجيم! فليس الفن هو ما يدفع بالمرء إلى ارتكاب المعاصي، ولكنها النفس التي تزيِّن له ذلك. ولقد فات هؤلاء أن يتذكروا أن الله تعالى قد أنزل قرآنه العظيم تبياناً لكل شيء (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) (من 89 النحل). فلو أن الله تعالى قد حرَّم الفن حقاً، لكان هذا القرآن قد جاء بذلك! فأين هي تلك الآيات القرآنية الكريمة التي استند إليها هؤلاء المتشددون المتزمتون في تحريمهم الفن؟!
والعجيب أن هؤلاء المتشددين المتزمتين لم يكتفوا بالتحريم، بل حكموا بتجريم الفن ممارسةً له واستمتاعاً به! وبذلك يكون الواحد منهم قد حكم على نفسه بأنه قد تطاول على قرآن الله العظيم واجترأ على حدود الله تعالى. فأساس التجريم، كما يقضي بذلك فقه التشريع القرآني، أن يتحقق عدوان ظالم فيُصار إلى إيقاع العقوبة المنصوص عليها في هذا القرآن بحق المعتدي الظالم، قاتلاً كان أم سارقاً أم زانياً أم غير ذلك. فأي عدوان ظالم اقترفه ممارس الفن، أو المستمتع به، حتى يستحق أن يُجرَّم ويُدان ويُعاقب؟! ثم مَن أعطى هؤلاء المتشددين المتزمتين السلطة ليطالبوا بتحريم وتجريم وعقاب الآخرين؟! إن كل ما يحق لرجل الدين أن يقوله بخصوص ما يصدر عن الآخرين من قول أو عمل، لا ينبغي أن يتجاوز حدود النصيحة والموعظة الحسنة دون أن يتطاول الواحد منهم على خلق الله بالتكفير والتجريم والمطالبة بإنزال العقوبات! لقد كفل الله للإنسان كثيراً من الحريات، طالما لم يكن لهذه الحريات أن تجعل منه يتعدى حدوده تعالى فيظلم الآخرين، فيستحق بذلك ما نَص عليه القرآن العظيم من العقوبات الإلهية. أما غير ذلك، فالأمر لله تعالى، وما يوم القيامة من الظالم ببعيد.
