بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

يتباين الناس لوناً وعرقاً وجنساً ورزقاً وعلماً. وبذلك يكون الاختلاف هو القانون الذي بموجبه يتمايز بنو آدم فلا يكون الواحد منهم نسخةً طبق الأصل عن الآخر. إلا أن الناس، مع شديد ما يفرِّق بينهم من اختلافات جوهرية، يبقون سواسية. فما الذي يجعل منهم إذاً كذلك؟ إن الإجابة على هذا السؤال مرهونة بالإيقان بأن كل هذه الاختلافات ليس لها إلا أن تكون تجليات لفروقات ظاهرية لا يمكن لها بحال أن تجعلنا عاجزين عن أن نتبيَّن ما يوحِّد بين بني آدم كلهم جميعاً إلا ما رحم الله تعالى. وهذا القاسم الآدمي المشترك هو ما يشير إليه التصوف بـ “النفس”. فنحن مهما تناشزنا واختلفنا وتباينّا، فإننا كلنا ذات الواحد المفتون بنفسه والمبتلى بها في آن. وأنت لن تستطيع أبداً أن تفقه الإنسان على ما هو عليه حقاً وحقيقة إلا بهذا الإيقان منك بأن النفس الإنسانية هي ذاتها في كل زمان ومكان ومهما اختلفت تجلياتها باختلاف ما يتمايز به بنو آدم في العرق واللون والجنس والعلم والرزق وما إلى ذلك مما يتمايز به البشر بعضهم عن بعض.
ولأن العلة واحدة، كان لابد وأن يكون الدواء واحداً. فكلنا ملتاث بالعلة ذاتها، وكلنا لا شفاء لنا منها إلا بذات الدواء الذي يتعيَّن علينا جميعاً أن نتداوى به ليكتب لنا الشفاء. ويخطئ من يقارب الإنسان بعينٍ تنظر إلى ما يتمايز به عن باقي بني جلدته من البشر فيغفل بذلك عن أن كل ابن آدم سواء، وأن الناس كلهم جميعاً سواسية بهذا الذي يجعل من واحدهم ذا نفسٍ لا تختلف البتة عن نفس أي من باقي البشر. ولا أدل من كون الإنسان في ضلال مبين من أنه يعجز عن الوقوع على هذا الذي يوحِّد بين بني آدم، في ذات الوقت الذي يضل في متاهات الفروقات والتناشزات والاختلافات والتباينات الظاهرية التي يظن ويتوهم أنها تكفي ليكون هذا يختلف عن ذاك، وهؤلاء هم غير أولئك! ولو أن الإنسان أدرك ما هو عليه من شديد تطابق مع أخيه الإنسان، بحكمٍ من هذه النفس التي يشتمل عليها كلاهما، لما كان هناك من عداوة بينهما يُعلَّل لها بالتباين القومي والعرقي والديني والاقتصادي، وما إلى ذلك! فلكأن الإنسان، بهذا العجز منه عن أن ينظر إلى أخيه الإنسان فيرى ما يوحّد بينهما من نفسٍ هي النفس ذاتها، إنما يقاتل نفسه! فلو أن الإنسان أدرك أن الناس كلهم جميعاً سواسية، بهذه النفس الواحدة التي هم في حقيقة الأمر تجلياتها التي وإن تناشزت واختلفت ظاهراً فإنها هي هي ذاتها باطناً، لما كان هناك من دم ولا أشلاء ملقاة على قارعة طريق تاريخ هذا الإنسان معاركَ وحروباً طاحنة أتت على مئات الملايين من البشر!
وبذلك يتيح التصوف لنا أن ننظر إلى بعضنا البعض لنرى أن ما يوحِّد بيننا يستدعي منا أن لا نتوسل ما يفرِّق بيننا من ظواهر ومظاهر لنعلِّل به لحربنا بعضنا على بعض. وهكذا يتبيَّن لنا السبيل إلى عالمٍ جديد يتلاشى فيه أي أثر لغباء إبن آدم الذي جعل منه، وعلى مر التاريخ، ينظر إلى إبن أبيه فلا يراه إلا عدواً مبينا لتناشزه معه في اللون أو في العرق أو في الجنس أو في العلم أو في الرزق، وينسى أننا كلنا جميعاً قد ابتُلينا بذات النفس التي تجعل الواحد منا في حقيقة الأمر لا يختلف على الإطلاق عن الآخر بهذا الذي جُبلت عليه هذه النفس من صفاتٍ وخصال، إن هي توارت عميقاً تحت سطح ما يفرِّق بيننا من اختلافات ظاهرية، فإنها تبقى كالجمر تحت الرماد تنتظر الفرصة السانحة لتطل برأسها التنِّيني فتذكرنا بأننا كلنا جميعاً في العلة سواء.
وهكذا يتبيَّن لنا أن عجزنا عن إدراك حقيقة كوننا الإنسان ذاته قد جعلتنا يحارب بعضنا البعض غير مدركين أننا نكون بذلك كمن يحارب نفسه فيشبعها تقتيلاً! وبذلك يتجلى أمام أعيننا ما جناه الإنسان على نفسه بهذا العجز منه عن أن ينظر إلى إبن أبيه ليراه نسخة أخرى منه.
إن التصوف يؤكد أن كون الناس كلهم جميعاً سواسية يوجب على الإنسان أن ينشغل بالعمل على إصلاح ما تضرَّر من كيانه فجعل منه لا يختلف في شيء عن الآخر عوض انشغاله بمحاربة هذا الآخر، الذي لو نظر إليه بعين الحقيقة لرأى أنه إنما ينظر إلى نفسه.
