لباس الجوع والخوف

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

الفتنة نائمةٌ لعن اللهَ من أيقظهاتحدثتُ كثيراً في منشورات سابقة عن التفوق المعرفي للقرآن العظيم. وهذا التفوق المعرفي قد كفله للقرآن العظيم كونُه قد أُنزل تبياناً لكل شيء (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) (من 89 النحل). فكل ما حوالينا من أمور ذات صلة بالإنسان وعالمه لن نعجز عن أن نجد في هذا القرآن ما يُعيننا على مقاربتها، وبما يجعل منا نقع على كثير من الحقائق التي ما كنا لنحيط بها بعيداً عنه. وأنت إذا ما جلت ببصرك في هذا الذي يحدث في كثير من بلدان العالم، فلن يكون بالعسير عليك أن تتبيَّن السبب الذي غيَّر الأحوال وجعل من أبناء الوطن الواحد يتقاتلون فيما بينهم ويسفك بعضهم دم بعض بدمٍ بارد، وذلك بتدبُّرك ما جاء به القرآن العظيم من حقائق نُصِر على تجاهلها، وذلك بقراءتها وفق ما تهوى أنفسنا وليس كما ينبغي أن يتم تدبُّرها بمنأى عن النفس وهواها. فكيف لا نجد في هذا الذي يحدث في كثير من هذه البلدان ما يذكر بما جاءتنا به الآية الكريمة 112 من سورة النحل (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ).

فلباس الجوع والخوف هذا ما كان لكثير من هذه البلدان أن تتذوق مر طعمه لولا أن أهلها ظنوا وتوهموا أن إزاحة السائد من الأوضاع بوسعها أن تؤمِّن لهم مستقبلاً أفضل دون أن يدركوا أن ما استقرت عليه الأمور هو في كثير من الأحيان أفضل من مجهول لا تدري عنه شيئاً! وهذا يذكِّر بما جاءتنا به سورة البقرة (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ) (من 61).

إن الرغبة في إزاحة السائد، دون أن يكون هناك بديل حقيقي، هي لا أكثر من خوضٍ في غمار المجهول لا لشيء إلا ظناً وتوهماً أن أي شيء سيكون أفضل من هذا الذي ساءنا منه شيء أو أكثر! وهذا الخوض في المجهول دليل غرور وتكبر سيدفع ثمنهما غالياً كل من يظن ويتوهم أنهما يكفيان لتنطلق بهما قافلة التغيير المنشود! وبذلك يجر الإنسان على نفسه ويلاتٍ ومصائب من حيث لا يدري بهذا الخوض منه فيما لا يعلم. ولقد حذَّرنا القرآن العظيم من مغبة الجري وراء ما تدفع به النفس فنقع في المحظور ولات حين ندم (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ) (65 الأنعام).

إذاً فلن يعود علينا خوضنا فيما لا نعلم إلا بهذا الذي نشاهده حوالينا من فوضى عارمة لن تنتهي قبل أن تأتي على الأخضر واليابس. وصدق حضرة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الذي سبق وأن حذَّرنا بنصيحةٍ متعاليةٍ على الزمان، وذلك بقوله: “الفتنة نائمةٌ لعن اللهَ من أيقظها”.

أضف تعليق