بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
تفشل كل مقاربة لدين الله في الوقوع على حقيقته، وذلك طالما كانت هذه المقاربة تعتمد منطلقاً لها غير ذي صلة بما جاء به هذا الدين من عند الله، وذلك بنظرتها إليه بعينٍ تخالطها شوائبٌ فرضتها الظنون والأوهام. ومن ذلك أن يُقرأ الدين الإلهي بدلالة ما يُظَن أنه كافٍ للتعليل لما جاء به من أوامر ونواه على أساسٍ من صلتها بالجماعة الإنسانية تنظيماً لها وحرصاً على دوام ما يربط بين أفرادها من وشائج وأواصر، وعملاً على تمتين كل ما يجعل المجتمع بمنأى عن التشتت والانهيار! وهكذا مقاربات للدين الإلهي تفشل دائماً في أن تحيط بجوهر رسالته الإلهية طالما اقتصرت في نظرتها إليه على السايكولوجيا والسوسيولوجيا وغيرها من المباحث المعرفية التي أبداً لن يكون بمستطاعها أن تستوعب ما هو متعالٍ عليها بسببٍ من إلهيته. فدين الله تعالى ينبغي علينا أن نقاربه بعينِ عقلٍ لا يفرض على هذا الدين أجندته الخاصة، وذلك في سعيه لعقلنته وفهمه وفق مقتضيات هذا العقل ومحدداته التي سيُكتَب على كل من يتوسلها سبيلاً لفقه دين الله الفشل الذريع طالما لم يأخذ في حسبانه حقيقة كون هذا الدين يُعلَّل به ولا يُعلَّل له.
وكمثال على هذا الذي أقول به وأذهب إليه، من وجوب أن يُصار إلى إقصاء “العقل” عن أية محاولة لفقه ما جاءنا به دين الله تعالى من أوامر ونواه، صيام شهر رمضان. فلطالما صدَّع رؤوسنا المتفيقهون بتعليلهم للصيام بأن الله تعالى قد فرضه حتى يشعر أغنياء الأمة وأثرياؤها ومترفوها بما يعاني منه فقراؤها من الفقر وشظف العيش الذي ينعكس عليهم جوعاً شديداً! وهذا تخريجٌ يفشل في الوقوع على علة الصيام طالما لم يستثن القرآن العظيم فقراء الأمة من هذه الفريضة. فلو صح ما ذهب إليه هؤلاء لما كان الفقراء مطالَبين بأداء فريضة الصيام، شأنهم في ذلك شأن الأغنياء. ولقد كان يكفي هؤلاء المتفيهقين أن يتدبروا آية الصيام حتى يتبيَّن لهم العلة من وراء هذه الفريضة الجليلة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (183 البقرة).
إذاً فالأمر منوط بتقوى الله تعالى علةً لصيام شهر رمضان، وليس ما يظن ويتوهم هؤلاء المتنطِّعون! وهذا ما بوسعك أن تتبيَّنه أيضاً بتذكُّرك ما ذهب إليه هؤلاء بتعليلهم للعلة من وراء الوضوء. فالوضوء عندهم علَّته النظافة والطهارة. وهم بذلك قد تجاوزوا حدودهم فتطاولوا على قرآن الله العظيم الذي لم يرد فيه ما يؤيد ذلك. فيكفينا أن نتوضأ تنفيذاً منا لما أمر به الله تعالى دون أن نعلل لوضوئنا بهذا السبب أو ذاك مما نظن ونتوهم أنه كافٍ للتعليل لما انطوى عليه الوضوء من خفايا وأسرار.
إن الإسلام يعني أن تسلم كيانك كله لله فتكون سلماً له تعالى وحده. وكيانك هذا يشتمل على عقلك. فلا يُعقل أن تكون مسلماً وعقلك يأبى أن يسلم قياده لله فيُعمِل في دينه تعالى عقلنةً وتعليلاً وتفسيراً لا لشيء إلا ليكون بمقدوره أن “يتقبل” ما جاءه به دين الله تعالى، فلا يضطره إلى ما تأبى نفسه أن يأخذه ويؤمن به بالغيب.
