الجن بين القرآن والعلم

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

pyramidsيظن العلم ويتوهم أنه قد مُكِّن له من الوجود تعليلاً وتفسيراً لكل ما يحدث فيه! ولقد فات هذا العلم أن يدرك حقيقة هامة بخصوص ما تسنى له أن يحيط به من وقائع وأحداث وظواهر هذا الوجود. وهذه الحقيقة هي أن ما تعذر على العلم أن يقع عليه من الوجود “موجود”، ولكنه الغرور البشري الذي جعل العلماء يقعون في هذا الفخ القاتل الذي جعلهم يؤمنون إيماناً قاطعاً بأن لا شيء هناك آخر في هذا الوجود يستدعي منهم أن يكونوا أكثر تواضعاً فلا يطلقوا أحكاماً نهائية بخصوص انتفاء وجوده! وهكذا حكم العلم على نفسه بالجهالة، بهذا الإصرار منه على نفي كل ما لا قدرةَ له على أن يتحقق من وجوده! ولقد كان يكفي العلم أن يقول إنه علمٌ بما تسنى له أن يحيط به من الوجود، وإنه لا سلطة معرفية له على ما تلطَّف من هذا الوجود فتوارى من وراء حُجُب الغيب التي ليس بمقدور أجهزته أن تخترقها. ولقد فاقم الأمر سوءاً أن كثيراً من هذه “المغيَّبات”، التي قد تجرَّأ العلم عليها فقطع وجزم بانتفاء وجودها، هي ذات أبعاد “دينية”، كما يصر على توصيفها. فلكأن ما يعيب هذه “الظواهر الغيبية” أنها وردت في سياقات دينية توهَّم العلم أنها بذلك قد حكمت على هذه الظواهر بكونها مما لا ينبغي له أن ينشغل به، طالما كان “الدين” مرحلةً من مراحل تطور الوعي البشري انتهت إلى غير رجعة!

ولقد عادَ هذا التكبر على العلم بفشله في مقاربة ظواهر كثيرة طالما كان حكمه الأول عليها أنها “ظواهر دينية”، فلا تستحق منه بالتالي أن يوليها أي اهتمام! وهكذا خُيِّل إلى العلم أن بمقدوره أن يُعلِّل لأحداث الوجود بهذا الذي تسنى له أن يقع عليه منها! وبذلك يكون العلم قد خالف عن منهجيته بهذا النفي منه لوجود ما ليس بمقدوره أن يتثبَّت من وجوده! ولقد كان يجدر بالعلم أن يُبقي الباب مفتوحاً على مصراعيه أمام كلِّ وافدٍ من وقائع وأحداث وظواهر الوجود فلا يحكم بأن ما قُيِّض له الإحاطة به منها هو كل ما هنالك. ولو أن العلم تقيَّد بهذا النهج في التعامل مع الوجود، لكان بمقدوره أن يجيء بمقاربة معرفية له أكثر تواضعاً وحكمة، ولكانت صورة هذا الوجود تختلف بالتمام والكلية عن صورته التي يريدنا العلم أن نصدِّق معه أنها الحق الذي لا مراء فيه!

ويقدِّم لنا علم الآثار (الآركيولوجيا) ما نحتاجه من برهان على هذا السلوك “غير العلمي” في تعامل العلم مع الوجود وأحداثه. فهذا العلم فسَّر ما خلَّفته لنا الحضارات السابقة من آثار بدلالةٍ من كونها صنائع الإنسان وإبداعاته، نافياً بذلك أية احتمالية لأن يكون هناك أي تدخُّل من قِبل كائنات عاقلة غير بشرية أعانت هذا الإنسان على إنجازاته هذه. وبذلك كان محتَّماً على هذا العلم أن يصطدم بتناقضاتٍ جمة وهو يحاول جاهداً أن يعلِّل لهذه الصنائع بأنها بشرية بحتة.

وهنا يتبيَّن لنا ما يتفوق به القرآن العظيم معرفياً على هذا العلم المفاخر بجهالته. فلقد جاء في هذا القرآن ما بوسعنا أن نفيد منه بمعرفتنا أن كائناتٍ عاقلةً غير بشرية، هي الجن، كان لها يدٌ في صناعة الكثير مما أوهمنا علم الآثار بأنه من صنع يد الإنسان. ويكفينا دليلاً على ذلك ما جاء في الآيتين الكريمتين 12-13 من سورة سبأ (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ. يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُور).

أضف تعليق