بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
لم يشهد التاريخ عصراً انبهر فيه البشر بشيء انبهارهم بالعلم في هذا العصر الذي أصبح فيه العلم “معبود الجماهير”! ولقد بلغ هذا الانبهار بالعلم حداً جعل الواحد منا يخلط بين ما جاءنا به العلم من تقنيات يسَّرت لنا عيشنا، ومكَّنت لنا في الأرض كما لم يُمكَّن للبشر الذين سبقونا، وبين ما يدعونا إليه العلماء من وجوب تبنّي مقاربتهم للوجود وظواهره حتى ولو كان ذلك على حساب ما نظن أنه إيمان منا بما جاءنا به الدين الإلهي! ولقد كان يكفي إنسان هذا العصر أن يكون انبهاره بالعلم يقتصر على جانبه التطبيقي الذي ليس لأحد أن يماري في أنه يستحق هذا الانبهار. ولكن علماء العصر أبوا إلا أن يقدِّموا لنا العلم بوجهَيه النظري والتطبيقي كياناً واحداً يستدعي منا وجوب أن ننبهر به كلاً دون أية تجزئة. فإن أنت أشحت بوجهك عن الوجه النظري للعلم، فإن هذا دليل على أنك إنسان “غير علمي” حتى ولو كنت أشد الناس انبهاراً بالوجه التطبيقي لهذا العلم! فعلماء العصر يوجبون عليك ضرورة أن تأخذ العلم كاملاً مكتملاً دون أن تكون لك حرية الاختيار فتقبل منه كل ما هو نافعٌ ومفيد وتُعرض عن كل ما هو ليس بأكثر من خوضٍ في متاهات الميتافيزيقا المتشحة بإهاب العلم.
وقد يتساءل البعض عن جدوى هذا التفريق بين مشروعية الانبهار بالعلم التطبيقي ولامشروعية الانبهار بالعلم النظري، فأقول إن هذا التفريق واجبٌ طالما كان انبهارنا بالعلم النظري سيجعلنا عاجزين عن أن تكون لنا القدرة على النظر إلى ما يحتِّمه قبولنا به من وجوب أن نُحِل ما جاءنا به من افتراضات ونظريات محل ما جاءنا من قبل به دين الله تعالى من حقائق ويقينيات. وهذه هي أسهل وصفة للوقوع في دائرة النفاق والعياذ بالله.
إن الانبهار بما جاءنا به العلم من تقنيات لا يحتِّم وجوب أن نقبل بكل شيء آخر جاءنا به هذا العلم طالما تناقض هذا مع ما نزعم أننا آمنا به مما جاءنا به دين الله تعالى؛ هذا الدين الذي لا يحرِّم على الإطلاق أن ينبهر واحدنا بما جاءنا به العلم المعاصر من تقنيات، بل إن الفقه الصحيح لدين الله تعالى يوجب علينا ضرورة أن نأخذ بالأسباب التي تمكننا من أن تكون لنا اليد العليا في كل ما من شأنه أن يجعلنا السباقين إلى استخلاص كل ما هو مبتكَر وجديد من بئر العلم التطبيقي.
إذاً يحق لنا أن نحيا هذا العصر منبهرين بعلمه التقني، في الوقت الذي ندرك أنه يتوجب علينا ألا نشارك غيرنا انبهارهم الأعمى بالعلم دون تمييز بين غثِّه وسمينه خصوصاً إذا ما كان هذا الغث يحتِّم علينا أن نطَّرح جانباً دين الله تعالى الذي لا نجاة لنا إلا به في الدنيا والآخرة.
