- بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
للعلم ما يقوله بشأن ما يحدث في هذا الوجود، ولكن ليس للعلم أن يقول شيئاً بخصوص ما غاب عنه من وقائع وأحداث وظواهر هذا الوجود، فيتجرأ ويتجاسر على نفي أية إمكانية لكونها من مفردات هذا الوجود. إلا أن العلم لا يمكن له أن يكتفي بما تسنى له الوقوع عليه من هذا الوجود، طالما كان هو رهينة بيد العلماء الذين لا قدرة لهم على التعامل معه دون أن تشوب هذا التعامل شوائب يفرضها كون الواحد منهم إنساناً قبل أن يكون عالماً. فالإنسان فينا يأبى أن يقارب الوجود وينظر إليه بعينٍ تراه خالياً وخالصاً من أية فلسفةٍ يعجز عقل الإنسان عن إبصار هذا الوجود من دونها. ولذلك فليس هناك من قدرةٍ للعلم على الالتزام بتلك الحدود المعرفية التي يفرضها عليه منهجه العلمي الذي يحتِّم عليه أن يتقيد بما تسنى له أن يحيط به من وقائعه وظواهره وأحداثه، فلا يتجاوز ما بمستطاعها أن تجعله يصل إليه من نتائج فيجزم بالتالي باستحالة حدوث هذا أو بانتفاء وجود ذاك من أحداث وموجودات. ولذلك كان “الخطاب العلمي” غير قابل للتطابق مع “الخطاب الديني”، طالما كان خطاب العلم ينافس خطاب الدين في حكمه وجزمه بشأن أحداث الوجود ماضياً وحاضراً ومستقبلاً.
فخطاب العلم يتناقض بالتمام والكلية مع خطاب الدين مادام الخطاب العلمي عاجزاً عن التقيُّد بالواقع والمختبر، ظواهر ونتائج. ونحن، بانبهارنا بما قُدِّر للعلم أن يأتينا به من إنجازات ومبتكرات، قد خُيِّل إلينا أن كل ما يقوله خطابه صحيح بالضرورة. إلا أننا لم ندرك أن قبولنا لخطاب العلم يحتِّم علينا وجوب أن نرفض خطاب الدين طالما كان الخطابان يناقض واحدهما الآخر بالضرورة! فالخطاب الديني يعتمد أطروحتين هما: الله، واليوم الآخر، والخطاب العلمي لا يقر أياً منهما. وبعد ذلك تجد هناك مَن يصر على أن لا تناقض هناك بين الدين والعلم، وأن الدين قد سبق العلم إلى ما يقول به سبقاً جعل هذا البعض يقول بالإعجاز العلمي للدين! وهذا كله يعود إلى انبهارٍ بالعلم في غير محله، وإلى عجز عن تبيُّن حقيقة أن ليس كل العلم سواء. فالعلم علمٌ ما جاءنا بكل ما هو نافعٌ ومفيد من تقنيات وتصنيع. والعلم يفقد ما يميِّزه فيغدو شيئاً آخر، وذلك إذا ما نافس خطابه الخطاب الديني ميتافيزيقياً بخوضه في مسائل هي بحكم التعريف تتنافى مع المنهج العلمي في التعامل مع الوقائع والأحداث والظواهر. ولقد فات هذا البعض المنبهر بالعلم أن هذا الانبهار منه يحتِّم عليه ضرورة أن يقصي الدين لصالح هذا العلم ناسياً أن تديُّنه المفترض يحتِّم عليه وجوب أن يكون الدين هو “الحاكم” لا العلم! فكيف نرضى أن يقودنا انبهارنا بالعلم و”خطابه الميتافيزيقي” إلى تصديق ما يدعونا إليه من تكذيب لخطاب الدين الذي يطالب المتديِّن بأن يقر بأن للوجود إلهاً هو الله تعالى، وأن هذا الوجود منتهٍ حتماً بيوم القيامة؟!
إن العلم التجريبي-الاختباري، وكل ما جاء به من تكنولوجيا مكَّنت للإنسان من إحكام تسيُّده على هذا الكوكب، جديران بأن يجعلا كل إنسان عاجزاً عن ألا ينبهر بهما. إلا أن هذا الانبهار المشروع لا ينبغي على الإطلاق أن يكون تعلةً لانبهار آخر غير مشروع بالخطاب الميتافيزيقي للعلم، وذلك طالما كان قبولنا بالخطاب الديني يحتم علينا أن نستذكر على الدوام أن كلمة الله هي العليا، وأن لا حدود هناك بوسعنا أن نحددها لهذا العلو الذي جعله الله تعالى لكلمته.
