بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

تعرض قناة National Geographic هذه الأيام برنامجاً وثائقياً بعنوان One Strange Rock عُرضت منه حتى الآن حلقات أربع. وهذا البرنامج مثالٌ حي على ما ذهبتُ إليه في منشورات سابقة في حديثي عن القراءة الميتافيزيقية لوقائع وأحداث وظواهر الوجود التي يقوم بها الخطاب العلمي المعاصر. فهذا البرنامج لا يكتفي بتقديم الوقائع خالصةً كما هي من أي توصيف لها يُخرجها عن سياقها الطبيعي، بل هو يُدخِلها في سياقات ميتافيزيقية يضطرها إلى أن تقول ما لا يمكن لها أن تنطق به إلا إذا كانت هذه الوقائع مفردات قصة أبدعها خيال الإنسان! فالمتابع لما تم عرضه من حلقات هذا البرنامج لابد وأن يخرج بنتيجة مفادها أن كوكب الأرض الذي نعيش عليه له من الذكاء الخارق ما جعل منه يفعل كل ما من شأنه أن يضمن نشوء الحياة وبقائها وازدهارها وتطورها من البسيط إلى المعقد! فالأرض، وفق هذه القراءة الميتافيزيقية، لا يمكن أن تكون كياناً جامداً، بل كائن حي يتمتع بعقل يدرك أية وسائل هي الأنجع ليصل إلى الغاية التي يروم! وكل هذا ليس إلا مفردةً من مفردات سعي الخطاب العلمي المعاصر المحموم ليبرهن على ألا حاجةَ هناك لاستقدام فرضية الإله الخالق، طالما كان كوكب الأرض بمقدوره أن يفكر وأن يجيء بكل ما هو كفيلٌ بتحقيق مراده! فكيف لا يكون الخطاب العلمي المعاصر مؤدلجاً، وكيف لا يكون هذا الخطاب لا قيام له بغير الميتافيزيقا، طالما كان عاجزاً عن أن يقرأ وقائع وأحداث وظواهر الوجود بعينٍ لا ترى فيها ما ليس فيها؟! فلكأن هذا الخطاب يريد لكل شيء في الوجود أن يتمتع بألوهية تُتيح له الفعل والتفاعل مع باقي أشياء هذا الوجود فلا نضطر إلى التفكير في احتمالية أن يكون هناك إله فاعل متفاعل يكفينا القول بوجوده مغبة الخوض في متاهات تأليه كل شيء!
وهذا الذي بالإمكان أن نتبيَّنه بتفحُّص الخطاب العلمي المعاصر، كما يتجلى أيما تجلٍّ في الطرح الذي يطرحه هذا البرنامج، ليُذكِّر بما دأب عليه العقل الغربي المعاصر وهو يحاول جاهداً إقصاء أي دور لله تعالى في إنشاء هذا الوجود والإبقاء عليه، وذلك باستعاضته عن الدور الإلهي بأدوار مزعومة ينسبها جهلاً وغروراً إلى “الكون” The Universe و”الطبيعة” Nature! فيكفينا أن نتذكر ما درج على القول به هذا العقل المفاخر بذكائه من أن كل ما يحدث في الوجود هو من تدبير “الكون”، حتى أنك لتخرج بسماعك حديث العقل الغربي المعاصر هذا بنتيجة فحواها أن لهذا الكون عقلاً خاصاً به يفكر ويقرر! والشيء ذاته يضطرك إليه هذا العقل الجهول وذلك باضطرارك إلى تصديق ما يزعم به من أن للطبيعة عقلاً جعل منها المسؤول عن نشوء وتطور وارتقاء مفرداتها كلها جميعاً، من نباتٍ وحيوانٍ وإنسان!
فلماذا يتوجب علينا أن نؤمن بأن للكون عقلاً، كما أن للطبيعة عقلاً، لا لشيء إلا لكي لا نقول بأن هناك إلهاً، هو الله، هو الذي خلق وهو الذي يبقي على ما خلق إلى حين؟! إذاً فلا ضير من أن يكون كل شيء في هذا الوجود إلهاً مكتمل الألوهية، طالما كان في ذلك ما يضمن للخطاب العلمي المعاصر أن لا نضطر إلى القول بأن هناك إلهاً هو الله!
