بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
يفشل التديُّن التقليدي في أية مقاربةٍ يستهدف بها الدين فقهاً وفهماً لأية مفردةٍ من مفرداته. وما ذلك إلا لأنه لم يدرك حقيقة ما يعنيه التديُّن، وذلك لإخفاقه في الوقوع على مفتاح هذا التديُّن بعجزه عن أن ينظر إلى الدين بعينٍ ترى الباطل باطلاً والحق حقاً. والمقاربة التقليدية هذه تجعل من المتديِّن التقليدي لا يختلف في شيء عن غيره من غير المتدينين، وذلك طالما كانت مقاربته هذه عاجزةً عن أن تجعله يعيش حاضره، وذلك لفرط انشغاله بماضٍ يتحسَّر على ما فاته منه ولشديد تعلُّقه بمستقبلٍ علَّق كل آماله عليه. وبذلك يكون واحداً من السواد الأعظم من بني آدم من الذين لا همَّ لهم إلا الأسى على ما فات والأمل بما هو آت. وهذا العجز عن أن يعيش الواحد من هؤلاء حاضره، دون حزن على ما فات ولا أمل بما هو آت، قد انعكس على تصوره لله تعالى فكان أن أخفق هذا التصور في الوقوع على حقيقة التعامل الإلهي مع هذا الوجود. فالله تعالى، وفق هذه المقاربة التقليدية، إله الماضي وإله المستقبل، وأما الحاضر فلا سلطةَ له عليه! ولو أن هؤلاء كانوا على شيء لأدركوا ما أوقعوا أنفسهم فيه من تناقضٍ صارخ بنفيهم أن تكون لله تعالى قدرةٌ على التعامل مع الواقع حاضراً قدرته على التعامل معه ماضياً ومستقبلاً. فكيف يستقيم عند هؤلاء أن يكون الله هو الخالق البارئ المصوِّر، وأن يكون الله هو رب الآخرة، ولا يكون للحاضر من ألوهيته تعالى نصيب؟!
ولذلك كان التصوف يمثِّل المقاربة الأصح لكل ما له علاقة بالدين طالما كان اللهُ تعالى، كما يؤمن به المتصوفة، فاعلاً متفاعلاً “هنا” و”الآن”، وطالما كانت قدرته تعالى لا تقتصر على ماضٍ خلق فيه الوجود ومستقبلٍ سيخلق فيه الآخرة! ولذلك ترى المتصوفة يذكرون الله تعالى بواحدٍ من أسمائه الحسنى هو “الحي” إقراراً منهم بأنه تعالى متفاعلٌ مع هذا الوجود، مستدلِّين على ذلك بكرامات أوليائه الصالحين التي ما كان لها أن تخرق قوانين الوجود لولا أن الله تعالى حي فاعل متفاعل في الحاضر “هنا” و”الآن”.
