بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

يخطئ من يظن أن التصوف هو الانشغال بالأوراد والأذكار فحسب، كما ويخطئ من يتوهم التصوف فيهمِّشه إلى مجرد ترديد مصطلحات المتصوفة وكراماتهم حتى يغدو الأمر عبارة عن ثقافة صوفية لا تختلف في شيء عن غيرها من الثقافات التي يحرص الإنسان على التزود منها رئاء الناس!
فإذا كان التصوف هو ممارسة الإسلام والتديُّن به بإتقان، فإن هذا لا يعني أن تشغلك أورادك وأذكارك عن إدراك أن هذه كلها ليست الغاية بحد ذاتها، وأنها وسيلة، من بين وسائل أخرى، حتى تتمكن من الوصول إلى الغاية المنشودة التي يريدها التصوف أن لا تغيب عن وعيك. فليس التصوف انشغالاً بالوسائل عن الغاية، مهما كان في هذا الانشغال ما يجعل منك سعيداً بهذا الذي تقوم به من كثير تعبُّد وذكر وتسبيح! فالأصل هو أن تعي أن سيرك على طريق الله تعالى، محاولاً قدر ما استطعت أن تنضبط بمحدداته وضوابطه، ليس هو المقصود بحد ذاته طالما كان الأمر منوطاً بإيصالك إلى ما يُمكِّنك من أن تكون مقتفياً خطى مَن أحبوا الله وأيقنوا ألا شيء هناك في هذا الوجود يعدل تفرُّغهم للدعوة إلى سبيله تعالى. فكل عبادة، يحضك التصوف على الاستزادة والإكثار منها، ما هي إلا وسيلة ليتحقق لك الوصول إلى ما يُمكِّنك من أن تدعو إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن. ويخطئ من يظن أن هذا أمرٌ يسير وأن بإمكان الكل القيام به شريطةَ أن يكون من الحُفَّاظ الذين تسنى لواحدهم أن يحفظ كتاب الله تعالى، وما تيسر من أحاديث رسوله الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم، وهذا الكتاب أو ذاك من كتب الدعوة والإرشاد! فالتصوف، بهذا الحرص منه على جعلك تُكثر من العبادات والأذكار والأوراد، إنما يريدك أن تصبح ولياً من أولياء الله تعالى فتلاحقك كراماته التي هي كل ما تحتاج إليه وأنت تدعو إلى الله تعالى مَن يصر على نفي وجوده معللاً لذلك بما تسنى له الوقوع عليه من الخطاب العلمي المعاصر الذي لا هَم له إلا دحض القول بوجود الله تعالى.
إذاً فالتصوف يريدك أن تكون مرشداً إلى الله تعالى، من بعد أن تكون واحداً من أوليائه الصالحين، فتكون الكرامات طوع بنانك وأمرك، فيتسنى لك بذلك أن تُرغم المنبهرين بالخطاب العلمي المعاصر على الإقرار بأنهم قد أخطأوا بإقصائهم الفرضية الإلهية، وذلك بنفيهم أن يكون لله تعالى وجود، طالما كان بمستطاع هذه الكرامات أن تُعجزهم عن التعليل لها وفق ما انتهت إليه علوم العصر، وطالما استحال عليهم أن يتوسلوا هذه العلوم فيكون بمقدورهم أن يأتوا بمثل هذه الكرامات.
إذاً فالتصوف يريدك أن تكون من الذين كانت لهم في رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أسوةٌ حسنة، فتسير على هَدي خطاه الشريفة وتكون بالتالي من الداعين إلى الله تعالى بكراماتٍ هي في حقيقتها معجزاته صلى الله تعالى عليه وسلم. وتفشل كل مقاربةٍ أخرى للتصوف تُقصره على أذكار وأوراد دون إيقان بأن هذه الأوراد والأذكار ليست إلا وسائل المقصود منها أن تصل بك إلى ما يُمكِّنك من أن تلاحقك الكرامات كظلِّك فتدعو بها إلى الله تعالى مَن ظل السبيل إليه (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (108 يوسف)
