بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
يظن العلم النظري أنه قد أحاط بالوجود تعليلاً وتفسيراً لكل ما يحدث فيه من وقائع وأحداث وظواهر، وذلك طالما تسنى له أن يحيط ببعضٍ من قوانين هذا الوجود! وما كان الله تعالى ليجعل لبشرٍ أن يهنأ بما ظن أنه قد علمه بشأن الوجود وما يحدث فيه. فإذا كان الإنسان قد نجح في تشخيص الأسباب التي تحدث بموجبها الغالبية العظمى من وقائع وأحداث وظواهر هذا الوجود، فإن هناك من الوقائع والأحداث والظواهر ما لا قدرةَ لإنسان على أن يُسبِّب لها بالرجوع إلى ما تسنى للإنسانية تشخيصه من قوانين هذا الوجود. فالمعجزات والكرامات وخوارق العادات والعجائب والغرائب، كلها جميعاً، تستفز عقل الإنسان بهذه القدرة منها على إعجازه عن أن يكون بمقدوره أن يسبب لها كما يسبب لأحداث الوجود التي ألفها لفرط تكرار حدوثها، والتي قُيِّض له أن يعثر على القوانين التي فسَّرها بها. ولقد فات الإنسان أن يعي ويدرك أن وقائع وظواهر وأحداث الوجود كلها جميعاً سواءٌ في هذه القدرة منها على إعجازه عن أن يكون بمقدوره أن يقع على علَّتها التي هي السبب الحقيقي من وراء حدوثها. وإذا كانت الغالبية العظمى مما يحدث في الوجود من أحداث قد قُدِّر للإنسان أن يحيط بأسباب حدوثها، فإن هذه الأحداث كلها جميعاً تستعصي عليه فتُعجزه بالتالي عن أن يكون بمقدوره أن يقع على علة حدوثها.
إذاً فكل ما يحدث في الوجود، من ظواهر مألوفة ومعجزات، تستعصي على الإنسان وذلك طالما لم يكن بمستطاعه أن يُعلِّل لها بتشخيصه العلة الحقيقية التي هي علة حدوثها. وكل ما يظن الإنسان أنه يعرفه بخصوص مألوف أحداث هذا الوجود، لا يعدو كونه معرفةً بأسباب حدوثها لا علة هذا الحدوث. والسبب الذي جعل الإنسان في حيص بيص من هذا الذي يحدث أمامه، ظواهرَ مألوفةً ومعجزاتٍ وغيرَها من خوارق العادات، يعود إلى أن لله تعالى في تواجده بين ظهراني هذا الوجود وموجوداته نمطَين من أنماط التجلِّي يُتيح أحدهما له تعالى أن يكون متوارياً من وراء حجابٍ تتكفل الأسباب بإحداث الغالبية العظمى من أحداث هذا الوجود بتدخلٍ غير مباشر من لدنه تعالى، بينما يُتيح الآخر له تعالى أن يكون تدخُّله الإلهي المباشر هو ما يجعل من المعجزات، وغيرها من خوارق العادات، تحدث.
إن الطاقة الإلهية هي التي بموجبها تحدث أحداث الوجود كلها جميعاً. وإذا كانت هذه الطاقة الجليلة تتجلى دون حجابٍ في ظواهر خارقة للعادة كالمعجزات، فإنها تتوارى من وراء أسباب ظن الإنسان أنها طاقات الوجود التي هي علة ما يحدث فيه. وإذا كان العلم قد قُدِّر له أن يقع على قوانين هذا الوجود، فإنه في حقيقة الأمر ما وقع إلا على تلك الأسباب التي خلقها الله تعالى ليتوارى من وراء حجابها طاقةً إلهيةً هي العلة في حدوث ما يحدث بذريعة هذه الأسباب. ولذلك لن يكون للإنسان أن يقارب هذا الوجود المقاربة المعرفية المثلى إلا بأن ينظر إليه بمنظار التصوف فيتسنى له بذلك أن يرى مألوف أحداثه تحدث بأسبابٍ علَّتها هي ذات العلة التي ليس له أن يتبيَّنها وهي تفعل فعلها فيتجلى هذا الفعل معجزاتٍ وخوارق عادات تُعجِز هذا الإنسان فلا يستطيع أن يتبيَّن لها أسباباً.
