الدين والخطاب الديني

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورايقدِّم لنا الخطاب الديني نفسه على أنه القراءة الصحيحة الوحيدة لما جاء به الدين ولما انطوت عليه رسالته الإلهية من خبايا وأسرار وخفايا. ولقد بلغ بنا التقاعس عن مُساءلة القائمين على صياغة هذا الخطاب “من أين لهم هذا”، حد تصديق كل ما ذهبوا إليه دون أن يخطر لنا على بال أن نرجع إلى “الأصل الإلهي” لندقق مزاعم هذا الخطاب ولنتبيَّن إن كان هناك حقاً هذا التطابق التام المزعوم ما بين الأصل و”الصورة”. ولا أذهب بعيداً عن الصواب إذا ما أنا قلت بأن الغالبية العظمى من مآسي الأمة لم تكن بسبب الدين، كما يزعم أعداؤها، ولكن بسبب مما جرَّه عليها هذا الخطاب المتشدد المتعنِّت الموغل في معاداة الدين في ذات الوقت الذي يزعم أنه المقاربة المثلى لما جاء به هذا الدين!

واليوم لا يبدو أن هناك على الإطلاق أي أمل في تحقيق مضاهاة وتطابق ما بين الدين والخطاب الديني، من بعد مئات السنين من ترسُّخ مفردات هذا الخطاب في وعي أفراد الأمة، ولاوعيهم، وإلى الحد الذي جعل منهم يستشعرون غرابةً ما بعدها غرابة إذا ما طُلب منهم أن يتدبَّروا الدين بعيداً عن هذا الخطاب! والآن، ونحن نواجه هذه الأزمة الحضارية المصيرية التي فرضها علينا قبولنا بهذا الخطاب في عصرٍ يتحتَّم علينا أن نعيشه ونحن نتلقى على مدار الساعة الصفعات الفكرية من كل حدب وصوب، ألا ينبغي علينا أن نراجع مسلَّماتنا وما اعتبرناه من البديهيات فنُعمل في هذا الخطاب من التفكير ما يُوجبه علينا زعمنا بأن ديننا هو الإسلام؟!

إن تدبُّر الدين كفيلٌ بجعلنا نتبيَّن ما انطوت عليه رسالته الإلهية من تمحور من حول مفرداتٍ بعينها. وهذه المفردات ليس بالعسير علينا أن نتبيَّنها فنحيط بما يريدها هذا الدين أن تكون واضحةً جليةً رسالته الإلهية هذه. فالدين يريدنا ألا ننشغل بهذه الدنيا عن الآخرة. وكل ما جاء به الدين يصب في هذا الاتجاه المحذِّر من أن يبيع الواحد منا آخرته بدنياه فيكون بذلك قد خسر الخسران المبين. والآخرة هي مدار دائرة الدين، ولذلك لم تكن هذه الحياة الدنيا إلا مزرعة الآخرة، كما علَّمنا حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم. فأين ما جاء به الدين، بهذا الحرص على ألا تشغلنا الدنيا عن الآخرة ،مما جاءنا به الخطاب الديني من تسييس للدين ومتاجرة به وبيع لثمين الآخرة برخيص الدنيا؟!

إذاً لا قبول بعد اليوم بالخطاب الديني طالما كان يريد منا أن ننشغل بهذه الدنيا سياسيةً وأحزاباً وسلطة! فالدين يريدك أنت “غايةً” قصوى، والخطاب الديني يريدك “وسيلةً” ليقفز بها أصحابه إلى سدة الحكم! فكم من الحمقى والجُهال والمغفلين مَن توهموا الخطاب الديني الدين الإلهي الذي جاءنا به حضرة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم؟! فمتى سنفيق من هذا التنويم المغناطيسي الذي جعل الواحد منا يغط في سبات مستسلماً للمتاجرين بهذا الدين وهم يروِّجون لخطابهم الديني الممتلئ سموماً وضلالات؟! فلو كان هذا الخطاب يمثِّل الدين حقاً لما كان هذا هو حالنا ونحن نواجه حضارة الغرب فنكفِّر من علمه ما جاء به داروين فحسب، ونقبل باقي العلم وإن كان فيه من الكفر ما يفوق ما نظن أن داروين قد جاء به! ألا يكفي الخطاب الديني تناقضاً مع الدين، هذا القبول منه لكل ما جاء به العلم من كفرٍ بيِّن، وذلك بمسارعته إلى تقديم طقوس وقرابين الخضوع والولاء لهذا العلم، وذلك بزعمه أن الدين قد سبقه إلى ما جاء به، وأن في هذا إعجازاً قرآنياً إن هو برهن على شيء، فلن يكون هذا إلا برهاناً على ما يمثِّله العلم لأصحاب هذا الخطاب من عظمة ولا يدل إلا على شدة انبهارهم به!

لقد حان الوقت لنطَّرح، وإلى الأبد، الخطاب الديني، ولنستعيض عنه بالدين، الذي اتخذناه وراءنا ظهريا، فيكون لنا بذلك أن نتسيَّد العصر بهذا الذي هو عليه القرآن العظيم من تفوق معرفي لا سبيل لمضاهاته.

أضف تعليق