تواجد الإنسان على هذه الأرض معجزة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

viruses and Becteria

تحدثتُ في عشرات المقالات عن “لاطبيعية” الإنسان كما تتجلى بتناشزه عن الطبيعة وشذوذه عنها وخروجه على قوانينها وسُننها الإلهية. فالإنسان هو المخلوق البايولوجي الوحيد الذي يمثِّل تواجده على كوكب الأرض خرقاً بيِّناً لكل ما تتميز به الحياة البايولوجية عليها من تناغم وتوافق وتناسق وانسجام بين مفرداتها من نباتٍ وحيوان. ويمثل الإنسان ظاهرةً شاذة بهذا اللاانتماء إلى الطبيعة، والذي جعل منه أعظم الأخطار التي تتهددها. وإني لأعجب أشد العجب لعلماء هذا العصر الذين أعماهم إنشغالهم بمناكدة الخطاب الديني عن رؤية هذه الحقيقة! فحتى يُخطَّأ هذا الخطاب، الذي أصر مَن قام بصياغته من رجال دين تقليديين على أن الإنسان لا أصل حيوانياً له، كان لزاماً على علماء البايولوجيا التطورية أن يأتوا بكل ما هو كفيل بالبرهان على أن الإنسان والحيوان أصلهما واحد! وبذلك كان أن غفل هؤلاء العلماء عن تبيُّن هذا الكم الكبير من الاختلافات الجوهرية التي يتناشز بها الإنسان عن الحيوان؛ هذه التناشزات التي حجبها عن أعينهم ولعُهم بإثبات ما ذهبوا إليه.

إذاً فالإنسان، كما بيَّنتُ في مقالات عدة، هو غير ما يظن ويتوهم ويقول به الخطابان الديني والعلمي. ونحن إذا ما أردنا أن نفقه الإنسان على ما هو عليه حقاً وحقيقة، فلابد لنا من أن نطَّرح هذين الخطابين الفاشلين ونعود إلى الدين فنتدبره بعيداً عن الخطاب الديني الذي افترض عليه وصايةً معرفية جعلته يظن ويتوهم ألا قراءة أخرى لهذا الدين غير قراءته الفاشلة هذه! فالدين كما جاء في كتابه الإلهي، القرآن العظيم، يقول الحق بشأن أصل الإنسان وذلك بحديثه الإلهي عن حيوانية هذا الأصل وفضائيته. وهذا واحد من مفردات التفوق المعرفي للقرآن العظيم على الخطاب العلمي الذي أخفق في مقاربته المعرفية للإنسان، وذلك بإصراره على النظر إليه باعتباره كياناً طبيعياً لا يقل طبيعية عن أي من باقي مفردات الطبيعة.

إذاً فهذا الإنسان مخلوق بايولوجي “غير طبيعي”. و”لاطبيعية” الإنسان هذه كانت لتجعل منه يختفي عن سطح الأرض كما تقضي بذلك سنن وقوانين الطبيعة؛ إذ لا يمكن لهذه القوانين أن تقبل بتواجد كيان شاذ كالإنسان على هذه الأرض، طالما كان في هذا التواجد ما يمثِّل خرقاً لهذه القوانين لا يمكن القبول به. فما الذي أبقى الإنسان وجعل منه ينتشر في عموم الأرض على الرغم من كونه مخلوقاً غير طبيعي؟ فتواجد الإنسان على هذه الأرض، محاطاً بهذا الكم الهائل من “الأعداء البايولوجيين”، كان ليتسبب في القضاء عليه منذ بواكير ظهوره على هذه الأرض. فكيف تسنى للإنسان أن يتواجد على هذه الأرض، وهو المخلوق البايولوجي الوحيد المتناشز مع هذه الطبيعة والشاذ عنها والخارج على قوانينها؟ وكيف تأتى لهذا الإنسان أن تنتشر ذريته لتغطي معظم ربوع هذا الكوكب وكل من حوله من جيوش العوالم المايكروبايولوجية تتحين الفرصة لإفنائه والقضاء عليه؟

إن الإجابة على هذه الأسئلة يتكفل بها تدبُّرنا ما جاءت به آيات القرآن العظيم من علم ما كان لنا أن نحيط به لولا أن الله تعالى علَّمنا ما لم نعلم. فيكفينا أن نتدبر آية كريمة واحدة من هذا القرآن ليتسنى لنا أن نعلم العلة الحقيقية الوحيدة التي لولاها ما كان لأي منا أن يكون له تواجد على هذه الأرض: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُون) (61 الأنعام).

إذاً فلولا هؤلاء “الحفظة” من ملائكة الله الكرام عليهم السلام، لأبيدت البشرية عن بكرة أبيها.

أضف تعليق