بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

الإنسان مخلوقٌ بايولوجي غير طبيعي. وهذه الحقيقة لابد من أن لا تغيب عن ناظري كل من يريد أن يقارب الظاهرة الإنسانية المقاربة المعرفية المثلى، وذلك حتى لا يقع أسير الظنون والأوهام فيُخيَّل إليه معها أن هذا الإنسان بمقدوره أن يقدِر الأشياء حق قدْرها فيعرفها حق معرفتها بوقوعه على ما هي عليه حقاً وحقيقة. وإذا كان الإنسان عاجزاً عن أن يعرف الأشياء المعرفة التي تؤهله لينظر إليها فيراها دون أن يخالط إبصاره إياها شوائبٌ من ظنون النفس وأوهامها، فكيف يُراد لنا أن نصدِّق أن عقل هذا الإنسان قادر على أن يقدر الله حق قدره؟! ولقد جاء في قرآن الله العظيم ما يؤكد عجز الإنسان عن أن يقدر الله حق قدره، وذلك في ثلاث مواطن: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ) (من 91 الأنعام)، (مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) (74 الحج)، (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (67 الزمر).
وإذا كان الإنسان عاجزاً، بخلقته التي هو عليها، عن أن يكون بمقدوره أن يعرف أي شيء حق المعرفة فيتبيِّنه على ما هو عليه حقاً وحقيقة، فإن السبيل الوحيد ليتسنى لعقله أن ينظر إلى الأشياء فيراها دون زيادةٍ أو نقص هو بأن يبصرها بنورٍ غير الضوء الذي لا يعرف غيره نوراً، وذلك بأن يتبيَّنها بنور الله تعالى. وهذا الإبصار بنور الله تعالى هو الذي يمكِّن الإنسان العابد لله من أن تكون معرفته بالأشياء معرفةً هي الأقرب إلى حقيقتها، والأبعد عن كل ما يمكن أن تختلط عليه الأمور فلا يرى، إذ ينظر إلى الأشياء، إلا صورته هو منعكسةً عنها.
وهكذا يكون بمقدور الإنسان العارف بالله أن يقدر الله تعالى حق قدره، وذلك لأنه لن يُعمل عقله من دون أن يكون هذا الإعمال منه متحققاً بنور الله تعالى. فالناظر إلى الأشياء بغير نور الله تعالى عاجزٌ عن أن يراها على ما هي عليه حقاً وحقيقة. وكذلك هو الحال مع من يظن ويتوهم أن بمقدوره أن يقدر الله حق قدره بعيداً عن الاستضاءة بنوره تعالى. ولذلك كان العلماء هم أكثر الناس خشيةً لله تعالى، وذلك لأنهم قدَروه حق قدره، فعرفوا ما جعل منهم يخشونه حق خشيته ويتقونه حق تقاته. فقد جاء في القرآن العظيم: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (من 28 فاطر). والعلماء هم أولو الألباب الذين ذكرتهم سورة آل عمران فوصفتهم بأنهم (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار) (191 آل عمران).
والعلماء أولو الألباب هم عباد الرحمن الذين يقولون (رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا. إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا) (من 65 -66 الفرقان). وعلامة كون أولي الألباب قد قدروا الله حق قدره أنهم يخشونه ويخافونه كما تخشاه وتخافه الملائكة الكرام عليهم السلام الذين يعرفون الله حق قدره، والذين جاء بشأنهم في القرآن العظيم: (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ) (من 13 الرعد)، (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ. يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (49 -50 الرعد)، (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُون) (28 الأنبياء).
إذاً فالذين قدَروا الله حق قدره، من بني آدم، هم أتقاهم له تعالى وهم مَن وصفهم القرآن العظيم (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (من 13 الحجرات). فكما أن الملائكة الكرام عليهم السلام يخشون الله تعالى لأنهم يقدرونه حق قدره، فكذلك العارفون بالله من بني آدم. إذاً فلا سبيل هناك لتكون واحداً ممن يقدر الله حق قدره إلا بأن تتقيه حق تقاته.
