التصوف والخطاب الصوفي المعاصر

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

قل يا أيها الكافرونالتصوف خطابٌ آخروي (إسكاتولوجي)، حقيقي غير واقعي، نخبوي غير جماهيري. وهو بذلك لا يمكن أن يكون متطابقاً مع الخطاب الصوفي المعاصر الذي هو خطاب دنيوي واقعي غوغائي (ديماغوجي). فالتصوف لا ينظر إلى الدنيا إلا بعينَي الآخرة، وبذلك فلن يكون بمقدوره أن يراها كل ما هنالك كما يراها أهلها المتقاتلون عليها. والتصوف بعيدٌ عن أن يكون واقعياً، وذلك بحكم كونه آيديولوجيا عالم الحقيقة. وعالم الحقيقة لا سبيل لتماثله مع عالم الواقع، طالما كانت الحقيقة باطناً وكان الواقع ظاهراً. ولذلك كله استحال على خطاب التصوف أن يتماهى مع الخطاب الصوفي المعاصر مهما حاول أولئك الذين يظنون أن بالإمكان أن يُتاجَر بالتصوف لتُحاز به الدنيا! فما للتصوف وللدينا، والتصوف لا قيام له إلا على مقاربة الدنيا كما لا يفعل أهلها، وذلك بتذوقها دون أن يكون لها أي نصيب من قلب المتصوف؟! لقد ظن البعض، ممن شاءت الأقدار أن يكون للتصوف ظهور في حياته، أن بمقدوره أن يمشي مشية أهل التصوف ومشية أهل الدنيا في آن، وفاته أن هذا لن يعود عليه إلا بأن يُضيّع المشيتين! فأنت إما أن تكون متصوفاً، وإما أن تكون مشاركاً أهل الدنيا دنياهم وفق ما تقضي به هذه الدنيا من قوانين لابد لك من أن تلتزم بها التزاماً إن أنت حِدتَ عنه فلن تمكِّنك الدنيا من نفسها. ولكن التزامك هذا سيكون على  حساب التزامك بالانضباط بما يقضي به طريق الله تعالى من محدِّدات التصوف وضوابطه. فكيف يكون بالتالي بمقدورك أن تجمع المشيتَين وتكون من أهل الدنيا في الوقت الذي تزعم أنك من أهل الآخرة؟!

ولكن الأمر مفهوم طالما كان هذا البعض يشتعل غيرةً من أهل الدنيا وهو ينظر إليهم كيف يقتسمون كعكتها دون أن يكون له أي حظاً منها! فماذا تراه فاعلاً غير أن يسارع إلى مشاركة أهل الدنيا وليمتهم علَّه يستدرك ما فاته منها؟! إن كل من ساهم في صياغة الخطاب الصوفي المعاصر بعيدٌ عن التصوف بعد السماء عن الأرض. فهذا الخطاب لا يمكن أن يكون خطاب التصوف طالما كان يتوجب عليه أن يستعين على صياغة مفرداته بإيديولوجيا دنيوية بعيدة كل البُعد عن جوهر التصوف وحقيقته. فكيف إذاً يُراد للتصوف أن يثمر هذا الخطاب الدنيوي المنشغل بالدنيا والمقاتل أهلها عليها؟!

فليس بالمتصوف مَن أراد أن يستثمر التصوف في غير مجاله، وذلك بتسييسه والمتاجرة به في ملحمة السياسة، طالما كانت هذه الملحمة تستدعي منه وجوب أن يتخلى عن أخلاق أهل التصوف ويتحلى بالمقابل بأخلاق أهل السياسة!

أضف تعليق