بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْ\nوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

تحدثت في منشور سابق عن تفسير لي أخالف به عن التفسير التقليدي للآية الكريمة (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ). ولقد دحضتُ بتفسيري، غير التقليدي، ما ذهب إليه التفسير التقليدي لهذه الآية الكريمة، والذي فسَّرها بما يُفهم منه أن تقوى الله تُثمر علماً لا يُستحصَل بغيرها. ولقد ذكرتُ في سياق اعتراضي على هذا التفسير التقليدي أن الأصل في تفسير النص القرآني هو أن تلتزم سياقه فلا تُقوِّل هذا النص ما لم يقله. ولقد ذكرتُ أن التقيُّد بما يقوله النص، والالتزام بحرفية هذا المقال، لا يعني أن هذا التقويل منك له هو ليس صائباً بالضرورة. ولكن الأصل هو أن تلزم النص وتتقيَّد بما هو قائله فلا تُعمِّم، وإن كان تعميمك لم يجعلك تجافي الصواب. وذكرتُ، تأييداً لما ذهبتُ إليه، أن القرآن العظيم قد جاء فيه ما بوسعه أن يبيِّن لنا ما للتقوى من قدرة على الإيتاء بكل ما هو خير، مستشهداً على ذلك بالآية الكريمة (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ). وقلت إن التقوى بمستطاعها أن تجيئك برزقٍ يشتمل على ما تظن وتحتسب، وعلى ما لا تظن وما لا تحتسب، ومن ذلك أنها بوسعها أن تأتيك بعلمٍ ليس بالمستطاع الوقوع عليه بما يُستحصل به العلم عادة. غير أن الأمر منوطٌ بتأويل النص القرآني كما يقتضي سياقه دون تزييد أو تنقيص. فحتى ولو كان النص القرآني يحتمل سياقه أن يُستخلص منه تعميمٌ ما، فإن هذا لا يعني وجوب أن يُصار إلى إطلاق هذا التعميم بحجة أن في القرآن العظيم ما يؤيِّده، وذلك في غير هذا الموطن.
وفي هذا المنشور سوف أتحدث عن مثال قرآني آخر أُخالف به أيضاً عن التفسير التقليدي لآية كريمة أخرى هي: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (من 7 الحشر). فالتفسير التقليدي لهذه الآية الكريمة يذهب إلى حد الزعم بأنها السند القرآني الذي يؤصِّل لكل ما جاء به الحديث النبوي الشريف من أوامر ونواهٍ. وهذا تعميم جائر طالما تجاوز الحد الذي صاغه السياق القرآني الذي ورد هذا النص الجليل خلاله. فلو أننا تدبرنا السياق الذي ورد خلاله هذا النص المقدس، لتبيَّن لنا أن الأمر ليس له أن يتجاوز حدود التعامل الشرعي مع الغنائم. فالله تعالى كان قد أوكل إلى رسوله الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم مهمة تميِّيز ما هو حلال منها، وما هو غير ذلك، وذلك حتى لا ينقض عليها المسلمون انقضاضاً دون تبيُّن فيأخذوا ما لا ينبغي لهم فيخالفوا بذلك عما يقضي به الإسلام من وجوب لزوم الورع في كل صغيرة وكبيرة من أمور هذه الحياة. ولمن يريد أن يتأكد من صواب هذا الذي أقول به من تفسير غير تقليدي لهذه الآية الكريمة، أذكِّره بالسياق القرآني الذي وردت خلاله: (وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير. مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (6 -7 الحشر).
