بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
إن مُتدبِّر الخطاب العلمي المعاصر لابد وأن يجد فيه ما لا يمكن بحال أن يُردَّ إلى ما يميِّز العلم من موضوعية وحيادية ونأي عن الانحياز لهذا أو ذاك من آيديولوجيات بني آدم. فهذا الخطاب خطابٌ آيديولوجي ميتافيزيقي “ديني”. وفي هذا المنشور سوف أتحدث عن “دينية” الخطاب العلمي المعاصر، والتي جعلت منه لا يختلف في شيء عن غيره من الخطابات الدينية التقليدية التي لم ينجُ دينٌ من شديد وطأة ما جرَّه عليه من كان لهم أن يصيغوا أياً من تلك الخطابات التي ما عادت على دين الله تعالى إلا بكل ما جعل منه في واد والناس في وادٍ آخر!
فالخطاب العلمي المعاصر لا يقدِّم العلم وقائع وحقائق خالصةً مما يُضفيه عليها من توظيف آيديولوجي هو أقرب إلى ما يقوم به مُنظِّرو الخطاب الديني، وذلك بفرضه وصايةً على هذه الوقائع والحقائق تُجبرك على أن تنظر إليها فتراها كما يريدك منظرو هذا الخطاب أن تراها بعين عقلٍ يؤلِّه كل شيء في هذا الوجود في الوقت الذي ينأى بنفسه بعيداً عن القول بأن لهذا الوجود إلهاً هو الله الذي يقول به دينه! وأنت إذا ما تدبَّرتَ هذا الخطاب دون أن تقع أسير آيديولوجيته، فلن يكون عسيراً عليك أن تستشعر ذات المشاعر التي لابد وأن تخالجك وأنت تتدبر أياً من الخطابات الدينية التي لا تمايز بينها وبين هذا الخطاب، وذلك طالما كان الكل يستهدفك عقلاً ونفساً وروحاً بغية استعبادك والتحكُّم بوعيك.
إن العلم منظومةٌ محايدةٌ من الظواهر والتجارب والوقائع والحقائق، فلماذا يريدك الخطاب العلمي المعاصر ألا تقاربها إلا بمنظاره الآيديولوجي الذي يريدك أن تنزع عنك عباءة ما أنت عليه من دين لترتدي عباءة دينه هو؟! ويخطئ كل من يظن أن الإنسانية قد تطور وعيها المعرفي من “السحر” إلى “الدين” ومن ثم إلى “العلم”. فالإنسان ما فارق “الدين” يوماً، وكل هذه ما هي إلا مظاهر متعددة لهذا “الشغف الديني” المميِّز له. وبذلك يكون “العلم” هو دين الإنسان المعاصر بهذا الخطاب العلمي الذي يأبى أن يجعل الإنسان يقارب العلم دون وساطةٍ منه. وهذا ما ينبغي توقُّعه من الخطاب العلمي المعاصر طالما كان هذا الخطاب عاجزاً عن أن يتخلى عن “دينيته” المُنازِعة لكل دينٍ آخر يتناقض مع آيديولوجيته.
والآن هل بالإمكان تصور قيام العلم على أساسٍ جديد يُستبعَد بموجبه الخطاب العلمي المعاصر هذا؟ إن مَن يعرف الإنسان على ما هو عليه حقاً وحقيقة لابد وأن تكون إجابته على هذا السؤال بالنفي القاطع، وذلك طالما كان الإنسان بحكم ماضيه التطوري قد شذَّ عن أصله الحيواني يوم أن اصطفى الله تعالى أباه آدم، وكان ما كان استخلافاً له في الأرض وإسكاناً له في الجنة وإخراجاً له منها بعد أكله من الشجرة المحرمة. فهذا الإنسان عاجزٌ عن أن يكون مخلوقاً غير متديِّن أياً ما كان هذا التديُّن. وبذلك يستحيل على الإنسان أن يعيش عصر العلم هذا دون أن يكون متديناً وفق ما يقضي به الخطاب العلمي المعاصر؛ هذا الخطاب الذي يريد لإنسان هذا العصر أن يتخلى عن أي دينٍ آخر غيره، وهو بذلك لا يختلف على الإطلاق عن أي خطاب ديني آخر يطالب المؤمنين به بتبنِّيه وبنبذ كل خطاب ديني آخر غيره!
