الإسلام.. حقيقةٌ واحدة ومقاربات متعددة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

للإسلام حقيقة واحدة بالإمكان الوقوع عليها، وذلك إذا ما قُيِّض للمرء أن يقاربه المقاربة المثلى التي تخفق كل مقاربةٍ أخرى غيرها في الوقوع على حقيقته هذه. وهذه المقاربة المثلى هي تلك التي بمقدورها أن تستجلي ما انطوى عليه الإسلام من بُعد عن كل ما يتميز به الخطاب العقلي من نزوع إلى فرض نفسه على الآخر بالقوة الجبرية. فكل مقاربة للإسلام تنزع إلى فرض نفسها بالإرغام والإكراه لن يقيَّض لها أن تحيط بحقيقته، وذلك طالما كان هذا الذي انطوى عليه الإسلام ينطلق من كونه رحمة الله تعالى المهداة إلى بني آدم. فكيف تريد هذه المقاربات أن تقدِّم للناس الإسلام الإلهي وهي كلها جميعاً لا قيام لها إلا على أساسٍ من الغلظة والقسوة والمقت والحقد؟!

إن المقاربة المثلى للإسلام هي تلك التي نجحت في الوقوع على ما انطوى عليه الإسلام من رحمة الله تعالى التي تجعل منه الدين الذي لا يسعى إلى فرض نفسه على الإنسان بالجبر والإكراه تاركاً أمر اعتناقه والتديُّن به إلى ما كفله الله تعالى لهذا الإنسان من حرية اختيار بإرادته هو دون أن يُصار إلى إكراهه على أن يتديَّن به جبراً وقسراً. فكيف يظن مقاربو الإسلام أنهم قد وقعوا على حقيقته وهم يعاملون غير المسلمين، وكل من لم يُقارب الإسلام مقاربتهم من المسلمين، كما كان السابقون من أقوام الأنبياء يعاملون مَن خرج على الإجماع واتخذ له ديناً آخر غير ما تواضع عليه القوم؟! أفلا يخجل هؤلاء المقارِبون من أن يكون الإسلام عندهم لا يقل قسوةً في التعامل مع مناوئيه عن فرعون (لعنه الله) وأصحاب الأخدود (لعنهم الله) وغيرهم من الجبابرة والطغاة الذين كان مذهبهم هو قتل وتعذيب كل من خالف معتقَدهم؟! فيكفينا أن نتدبر بعضاً من آيات القرآن العظيم ليتبيَّن لنا مقدار التشابه الكبير بين مُقارِبي الإسلام بقلوبٍ كلها غلظة وقسوة وبين ما كانت عليه قلوب أقوام الأنبياء: (قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ. النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ. إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُود. وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ. وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ. الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيد) (4 -9 البروج)، (قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ) (116 الشعراء)، (قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا) (46 مريم)، (قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ) (18 يس)، (قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ. قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ. قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ. قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ. قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ. قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ. قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) (23 -29 الشعراء).

أضف تعليق