من الذرة إلى المجرة.. هل حقاً للمادة ذكاء خارق؟

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

atomيريدنا الخطاب العلمي المعاصر أن نصدق روايته التي نسج أحداثها بأدلجة قارب بها وقائع وظواهر وأحداث هذا الوجود! وهذه الرواية لا تختلف في شيء على الإطلاق عن أي من روايات الخيال العلمي Science Fiction، وذلك طالما أنها لم تقتصر على ما يحدث في هذا الوجود دون أن تضفي عليه “تصوراتها” للكيفية التي يتأتى بها لهذا الوجود أن يتطور مترقياً في التعقيد من الذرة إلى المجرة. فلأن هذا الخطاب لا رغبة له في الالتجاء إلى ما يقول به الدين الإلهي من أن الله تعالى هو الذي خلق الوجود، ولأن هذا الخطاب لا قدرةَ له على أن يكون خطاباً غير “ديني” طالما كان هذا الدين “غير إلهي”، كان من المحتم عليه بالضرورة أن يقوم بتأليه مادة هذا الوجود مضفياً بذلك ما توجبه الألوهية على كل مفردةٍ من مفرداته، صغيرها وكبيرها!

وهكذا استعاض الخطاب العلمي المعاصر، بتأليهه مفردات الوجود كلها جميعاً، عن القول بإلهٍ واحد هو الله الذي خلق الوجود بكل ما فيه! وهذا التأليه لموجودات الوجود كلها جميعاً أمرٌ لا يجد فيه الخطاب العلمي المعاصر أية غضاضة، وإن كان هذا يستدعي منه أن يكون الوجود زاخراً بآلاف الملايين من الآلهة! وهذا الخطاب لا قدرة له على النأي بنفسه بعيداً عن القول بهكذا تأليه لكل ما في الوجود وذلك لأن من ساهم في صياغة مفردات هذا الخطاب بشرٌ أمثالنا، وهم لذلك عاجزون عن أن يقاربوا أحداث الوجود بـ “عقلٍ غير متديِّن”. ولقد عادَ هذا على هذا الخطاب بأن جعل منه مضطراً إلى أن يضفي على مادة الوجود ذكاءً خارقاً لا يمكن أن تشتمل عليه هذه المادة إلا إذا ما كان هناك للوجود جانب “ميتافيزيقي” لا يمكن لنا أن نجد له “مقابلاً فيزيقياً” في عالم الواقع الذي يزعم هذا الخطاب اللاانشغال له بغيره عالماً! فمادة الوجود لابد وأن تكون ذات ذكاء خارق وذلك حتى يتأتى لها أن تتطور من البسيط إلى الأعقد وفق منظور “غائي” يمكِّن هذا البسيط من أن يتطور إلى هذا الأعقد كما لو أنه كان يعرف مسبقاً ما ينبغي أن تؤول إليه الأمور والكيفية التي يتوجب عليه أن يصيغها أحداثاً متسلسلةً تنتهي بتحقق غايته التي كان يصبو إليها!

وهكذا يُضطر الخطاب العلمي المعاصر إلى إضفاء هذا الذكاء الخارق على الذرة التي لا قدرة لها بدونه على أن تتطور إلى ما هو أعقد منها، وصولاً إلى المادة الماكروية Macroscopic! وهذا الخطاب مضطر أيضاً إلى افتراض أن هذه المادة كانت على قدر من الذكاء الخارق، وذلك لكي يعلل لقدرتها على تنفيذ مخططها ليتسنى لها بذلك التطور إلى مادة بايولوجية حية! وهكذا سيكون هذا الخطاب مضطراً على الدوام إلى إضفاء مزيد من هذا الذكاء الخارق كلما احتاج الأمر منه ذلك، وذلك ليتسنى له التعليل لكل ما كان من مراحل التطور البايولوجي التي انتهت بظهور الإنسان! وهذا الإضفاء للذكاء الخارق على المادة هو في حقيقته قول بوجود كيان ميتافيزيقي للمادة نضطر إلى وجوب الإقرار بوجوده، وإن استعصى أن نجد ما يبرهن عليه!

أنظر إلى ما قادنا هذا الخطاب إلى الوقوع فيه من تخبُّط في دهاليز ومتاهات ميتافيزيقية، وذلك بسببٍ من إصراره على ألا يقول بأن الله تعالى هو الذي خلق الوجود وما فيه! فما الذي كان ليضير هذا الخطاب لو أنه قال بأن الله تعالى رب الوجود عوض أن يقول بألوهية كل ما في هذا الوجود؟! ألا يخالف بذلك هذا الخطاب عن واحدةٍ من أهم الأسس التي استقام عليها العلم، ألا وهي “البساطة”؟! فلماذا نُعقِّد المسألة، وذلك بجعلها تكتسب كل هذا الكم الهائل من الميتافيزيقا، في الوقت الذي بإمكاننا أن نقول بأن هذا الوجود ربه إله واحد هو الله تعالى؟!

إن الخطاب العلمي المعاصر، بهذا الإصرار منه على تأليه كل ما في الوجود في الوقت الذي يشمئز من القول بإلهٍ واحدٍ له، قد برهن على أنه ضربٌ من الميتافيزيقا لا يقل خياليةً عن أية فلسفة ميتافيزيقة طالما تبجَّح بأنه نقيضها بهذا الذي يقول به من تماثل بنيوي قائم بينه وبين العلم المستند إلى عالم الفيزيقا الذي يتشكل من وقائع وأحداث وظواهر هذا الوجود!

أضف تعليق