رحمن الدنيا وقهار الآخرة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ

فور انتهائي من إلقاء المحاضرة التي كانت على جدول أعمالي لسفرتي الثامنة إلى كاليفورنيا يوم 21/تموز (يوليو)/2002، في إحدى الضواحي الشمالية لمدينة لوس أنجلوس، بادرني أحد الحضور بسؤال ذي صلة بما تطرقت إليه أثناء هذه المحاضرة بتعريفي الإسلام المحمدي بأنه “رحمة من الله تعالى مهداة شأنه في ذلك شأن من جاءنا به صلى الله تعالى عليه وسلم”. فلقد رأى سائلي هذا أن هناك تناقضاً بين أن يكون الإسلام رحمة الله المهداة لبني آدم، وأن تكون هناك جهنم. وأذكر أنه أنهى سؤاله بالعبارة الأمريكية “What’s the catch here?” (وهذه العبارة عادةً ما ترد على اللسان، وذلك تعبيراً عن الاستغراب من أمر لا يبدو أن ظاهره يقول كل ما هنالك بشأنه. وكمثال على ذلك، تخيَّل أنك تريد أن تشتري عقاراً في هوليوود ذا إطلالة رائعة، وإذا بك تُفاجأ بأن ثمنه مائة ألف دولار فقط، فما يكون منك إلا أن تبادر إلى سؤال سمسار العقارات بالسؤال أعلاه، فتكون إجابته بأن هناك إشاعات تدور حول هذا العقار مفاده أنه مسكون). فأجبته بأن الله تعالى قد جعل الحياة الدنيا مجالاً لتجلِّي رحمته غير المحدودة ببني آدم، فكان أن وصف نفسه بأنه “رحمن الدنيا” بكل ما يشتمل عليه إسم “الرحمن” من معنى. أما الآخرة، فلن يكون هناك فيها من رحمته إلا تلك التي سينالها من كُتبت له في الحياة الدنيا وذلك لأنه كان فيها من المتقين. فالله تعالى لم يصف نفسه في الآخرة إلا بأنه “القهار”، وذلك لأنه لن يكون إلا كذلك بتجلِّيه لكل مَن عصاه في الحياة الدنيا فلم يستحق بذلك أن ينال من رحمته في الآخرة شيئاً، وذلك مصداق قوله تعالى: (رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ. يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) (15 -16 غافر). ثم ختمتُ إجابتي بإيراد بعضاً من آيات القرآن العظيم التي يتبيَّن بتدبُّرها ما سيكون عليه حال من حُرم رحمة الله تعالى في الآخرة، ومن هذه الآيات: (وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِين) (34 الجاثية).

أضف تعليق