بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
سألني صديق لي: “أي الوسائل أنجع لإرغام النفس على التسليم لله تعالى؟”، فأجبته: إحسان الظن بالله. فالنفس مجبولة عل مناكفة الإنسان، وذلك طالما كانت هذه النفس أشد ما ابتُلي به هذا الإنسان. والنفس لن تدع صاحبها يهنأ له عيش دون أن تنكِّد عليه عيشه هذا بمداخلات لن تتوقف عنها حتى يتأتى لها أن تُحكم سيطرتها عليه بالتمام والكلية، فيعود هذا عليه بكل ما من شأنه أن ينأى به بعيداً عن الحق فلا يصبح بمقدوره أن يخرج من الظلمات إلى النور. ولذلك استعان المتصوف في حربه على نفسه بتقنيات تعبدية يجيء في مقدمتها إحسان الظن بالله، وذلك طالما كان هذا يضطرها إلى تقديم كل ما في جعبتها من اعتراضات على الله تعالى فتنشب معركةٌ الغالبُ فيها هو من يكون الأكثر مصابرةً وقدرةً على المجاهدة حتى يبلغ الإجهاد مبلغه فيأتي الإنهاك على المغلوب. ويخطئ كل من يظن أن حسن الظن بالله هو من يسير الأمور؛ فحسن الظن بالله تعالى لا يوصل إليه إلا عملٌ دؤوب ديدنه إحسان الظن بالله. وإحسان الظن بالله يستدعي منك مواصلة حسن الظن بالله على الرغم من كل ما تقدِّمه لك النفس من مبررات لتُسيء الظن بالله. وهكذا يكون حال المتصوف في حربه على نفسه، مجاهدات بين إحسانه الظن بالله، وسوء ظن نفسه بالله حتى يقضي اللهُ أمراً كان مفعولا (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِين) (69 العنكبوت).
ولذلك جاء في الحديث القدسي: “أنا عند ظن عبدي بي”. فإن أنت أحسنتَ الظن بالله كُتبت لك الغلبة على نفسك، فأصبحت من الفائزين دنيا وآخرة، وإن أنت أصغيت لما تأمرك به نفسك من إساءة ظن بالله، خسرت الدنيا والآخرة. وإساءة الظن بالله هي مركبُ الغالبية العظمى من بني آدم، وذلك طالما كان أيسر الأمور على النفس أن تُلقي باللائمة على غيرها كلما تبيَّن لصاحبها أنه قد أخفق ولم يحقق ما كان يصبو إليه. ويتربع الله تعالى على رأس قائمة مَن تلومهم النفس على إخفاقاتها، ولذلك كانت إساءة الظن بالله تعالى تميِّز كل مَن لا يحسن غير أن يصغي لنفسه وهي تحرِّضه على الله تعالى بقولها له إنه لم يحسن إليه كما أحسن إلى غيره، فلماذا يواصل التعبد له. ولذلك كان خطاب التصوف يطالب السائر على طريق الله تعالى بأن يجابه نفسَه بمقابلة ما تطالبه به من إساءة ظن بالله بإحسان الظن به.
