بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
عابَ الله على الذين كفروا أنهم لم يقدروه تعالى حق قدره. ولقد أشار قرآن الله العظيم إلى هذه الحقيقة في مواطن منه ثلاث، منها: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) (من 91 الأنعام). وإذا كان الله تعالى قد عابَ على الكفار أنهم لم يقدروه حق قدره، أفلا نستحق نحن أن يعيب الله علينا أننا لم نقدر قرآنه العظيم حق قدره، وذلك بهذا الإعراض منا عن تدبُّره، وإلى الحد الذي جعلنا من الذين هجروه، فاستحققنا بذلك أن يشكونا رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم بقوله (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا) (30 الفرقان). فنحن قد هجرنا القرآن العظيم، وأعرضنا عن تدبُّره، يوم اخترنا أن ننساق وراء كل ناعق من أصحاب الخطاب الديني المتشدد الذين أوهمونا أنهم على شيء، وأنهم الأجدر بأن يُسمَع لهم، فأخذنا عنهم ديننا وخسرنا بذلك دنيانا وآخرتنا! ولا أدل على هجرنا لقرآن الله العظيم مما نحن عليه من سيء حالٍ مع الله تعالى بهذه القسوة التي أصبحت عليها قلوبنا حتى ما عادَ يحرِّك ساكنها ما كان حرياً بأن يجعلها تطمئن بذكر الله تعالى وتخشع!
ولو أننا تدبَّرنا القرآن العظيم كما أُمرنا، لما كان الخطاب العلمي أقرب إلى عقولنا مما جاءتنا به آياتُ هذا القرآن من حقائق هي في أعيننا لا تساوي شيئاً طالما جاءت غير موافقة لما يقول به هذا الخطاب! ولو أننا قدرنا القرآن العظيم حق قدره، لكان حالنا مع الله غير الحال، ولكنا أصبحنا ما خُلقنا لنكونه: “مِلاك القيادة المؤمنة في الأرض”! فيكفينا أننا بإعراضنا عن القرآن العظيم قد خسرنا دورنا القيادي في هذه الحياة الدنيا وأصبحنا نتقاتل على فُتات ما خلَّفه الآخرون، ونحن الذين كان بمقدورنا أن نقدِّم للإنسانية خير الزاد! إلا أن ما ينبغي علينا أن نعيه وندركه هو أن هذا الذي نحن عليه ليس بالقدَر الذي لا فكاك لنا ولا مهرب منه. فما زال بمقدورنا أن نستدرك ما فاتنا من قرآن الله العظيم فنعود إليه طائعين متدبِّرين فيكون لنا بذلك أن نحظى من خيره العميم بما يُمكِّننا من أن نقدِّم لإنسانية هذا العصر ما يُمكِّنها من أن تحيا هذه الحياة الدنيا، دون أن يُولِغ أفرادها في دم بعضهم البعض، أخواناً متحابين.
