بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
لا قدرةَ للإنسان على تقبُّل هذا العالم إلا من بعد أن يُعمِل فيه عقله، إضافةً وإنقاصاً، وذلك ليزول ما فيه من “فوضى”، وليسوده “نظام” دونه لن يكون هناك لونٌ ولا طعم للحياة. ولقد أدى هذا الإصرار من جانب الإنسان على إسباغ “المعنى” على الوجود إلى التسبب في جعله يتوهم ما ليس بموجود، فكان أن تقطَّعت به السُبُل وضل الطريق وهو يظن أنه من المهتدين! وتاريخ الإنسان يشهد له بأنه كائنٌ يعجز عن أن يعيش حياته دون منظومةٍ فكرية يتمكَّن بوساطة منها من أن “يكتشف” معنى هذه الحياة. وهكذا أدى هوَس الإنسان بالمعنى إلى ظهور ما ليس باليسير إحصاؤه من العقائد والمذاهب والفلسفات التي خُيِّل لأصحابها أنها المعين على استجلاء “معنى الوجود” و”معنى الحياة”.
إلا أن الإنسان قد فاته أن عدم قدرته على أن يستسيغ الواقع دون أن “يُطيِّبه” بمطيبات “المعنى” و”المغزى” و”الغاية”، كانت لتستدعي منه أن يتساءل عن العلة من وراء ذلك. فالحيوان، على سبيل المثال، لا يحتاج إلى “المعنى” كي يكون بمقدوره أن يعيش، بينما يعجز الإنسان عن العيش دون هذا المعنى. ولك أن تجرب أن تجرِّد “الحياة” من معناها، كما يظن إنسان ما ويتوهم أنه قد وقع عليه، وانظر بعدها إلى حاله كيف سيسوء يوماً بعد يوم.
إذاً فما الذي حدث في ماضينا السحيق وجعل منا عاجزين عن أن نتقبل حياتنا دون أن “نفقه” لها معنى؟ إن البايولوجيا التطورية عاجزة عن أن تقدم لنا أية إجابة شافية، وذلك طالما كانت تعتمد تصوراً لتطور الإنسان يكون بموجبه ماضيه الحيواني هو كل ما حدث له. وحده الدين الإلهي مَن بمقدوره أن يقدِّم لنا ما يُمكِّننا من الإحاطة بالعلة التي تسببت في جعلنا كائناتٍ باحثةً عن المعنى. فلأننا لسنا كائناتٍ طبيعيةً، وإن كنا قد نشأنا عن الطبيعة، فإن “لاطبيعيتنا” هذه هي العلة التي جعلت منا مغرمين بالمعنى، وإلى الحد الذي جعلنا نتوهم الكثير من الضلالات فنظن أنها من الحقائق، لا لشيء إلا لأنها تعطي لما يحدث حولنا معنى. و”لاطبيعيتنا” هذه هي ما عاد به علينا أكل أبوينا من الشجرة التي نُهيا عنها، فكان أن تضرر دماغ الإنسان تضرراً جعله عاجزاً عن أن يستشعر “الراحة والاطمئنان” دون أن ينظر إلى العالم بعين عقلٍ ملتاث لا يرى وقائع وأحداث وظواهر هذا العالم إلا من بعد أن يُعمِل فيها خياله فيُصيِّرها “معقولةً” مقبولةً لديه.
إن هوَس الإنسان بالمعنى، لا يعني على الإطلاق ألا يكون هناك ثمة من معنى، ولكن كل ما في الأمر أن هذا الإنسان، بعقله الملتاث، عاجزٌ عن أن يقع على هذا المعنى. ولذلك كان الدين الإلهي سبيل الإنسان الوحيد ليكون بمقدوره أن يتبيَّن “معنى الوجود” و”معنى الحياة”، وذلك شريطة أن يسير على طريق الله تعالى متديِّناً بدينه.
