بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

“العلم السري من وراء المعجزات” (The Secret Science Behind Miracles) كتاب قرأته شتاء عام 1992. ولقد قدَّم مؤلف هذا الكتاب تفسيرات لظواهر خارقة للعادة حدثت في الجزر البولينيزية، وذلك استناداً إلى قوانين العلم الذي بين أيدينا. ولقد حاول المؤلف أن ينزع عن هذه الظواهر ما تتصف به من خرق للعادة، وذلك بإيضاح أن لا موجب هناك لمشاركة السكان المحليين اعتقادهم بكون هذه الظواهر هي حقاً خارقة للعادة طالما كان بالإمكان تقديم تعليل لها يعتمد ما تسنى لعقل الإنسان أن يحيط به من قوانين الوجود. وبذلك يكون هذا الكتاب إسهامةً تصب في خانة الجهود التي تنزع إلى مقاربة ما يُظَن أنه ظواهر خارقة، وبما يتكفل بتبديد ما يخالطها من ظنون وأوهام مفادها أن هناك شيئاً ما بخصوصها يتحدى العقل والمنطق وما استقر عليه الوجود. وهذه النزعة يطلق عليها مصطلح “إزالة الغموض” (Demystification).
ولقد عززت طروحات هذا الكتاب من اعتقادي بأن العلم ما نشأ إلا محاولةً أراد بها عقل الإنسان أن يقارب معجزات الأنبياء عليهم السلام مقاربةً تنزع عنها “إعجازيتها”، وذلك بتقديمه ما يتكفل بتفسيرها وبما لا يستدعي ضرورة القول بأن هناك إلهاً ينبغي الإقرار بأنه العلة من وراء حدوثها. فالعلم عندي لم يكن ليوجد لولا هذه المعجزات التي استفزته، وإلى الحد الذي جعلت منه يسارع إلى تقديم كل ما من شأنه أن يجعل من المعجزات ظواهر بإمكانه محاكاتها وتقليدها والإتيان بمثلها. وإذا كانت معجزات الأنبياء عليهم السلام هي ما تسبَّب في ظهور العلم محاولةً لعقل الإنسان ليحاكي ويقلِّد ما جاء به الأنبياء من غريب الظواهر وعجيبها، فإن الفلسفة ما كان لها أن تنشأ لولا ما جاءت به رسالات الأنبياء عليهم السلام من تصويرٍ للوجود يطالَب الإنسان بمقتضاه بأن يؤمن بما هو ليس بواقعي وبما لا قدرةَ للواقع على تقديم البرهان عليه. فالفلسفة نشأت لتقدم “البديل العقلاني” لكل ما جاء به الدين الإلهي من “اللامعقول” متمثلاً بوجوب القول بأن هناك إلهاً واحداً هو الله، وأن هناك غيباً وآخرة. وبذلك يتبيَّن لنا ما كان للدين من قدرةٍ على استفزاز عقل الإنسان برسالته الغيبية ومعجزاته، وإلى الحد الذي جعل هذا العقل ينتج الفلسفة والعلم ردَّ فعلٍ على هذا الاستفزاز.
واليوم، وبعد آلافٍ من السنين على نشأة العلم والفلسفة عن الدين، لا يبدو أن الفلسفة المعاصرة والعلم المعاصر قد نجحا فيما أخفقت فيه علوم وفلسفات الأقدمين، وذلك طالما لم يزل الدين الإلهي بمقدوره أن يُعجزهما فلا يكون بمقدورهما مناجزته وذلك بأن تقدم الفلسفة المعاصرة ما يعلل لما هو عليه الإنسان من تناشزٍ مع الطبيعة وشذوذ عنها وخروج على قوانينها، وبأن يقدِّم العلم المعاصر العلاج الكفيل بشفاء الإنسان من تداعيات هذا التناقض مع الطبيعة، ناهيك عن استحالة أن يكون بمقدور هذا العلم أن يتعامل مع الوجه المعاصر لمعجزات الأنبياء عليهم السلام متمثلاً بكرامات الأولياء، وبما يتكفَّل بتفسيرها وفق نظرياته والقدرة على محاكاتها والإتيان بأمثالها.
وبذلك يبقى الدين الإلهي صامداً في وجه محاولات عقل الإنسان لتفنيد رسالته وللبرهان على انتفاء كون هذه الرسالة هي حقاً من الله تعالى.
