لا ينالُ عهدُ الله الظالمين

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

يُروى عن حضرة سيدنا أبي الحسن الشاذلي قدّس الله سرّه العزيز أنه دعا اللهَ تعالى أن يجعل رئاسة الطريقة الشاذلية مقصورةً على ذريته فلا تخرج منها إلى سواها. وأنا لا أصدِّق البتة أن يكون قد خطر في بال الشاذلي قدّس الله سرّه العزيز أمرٌ كهذا. فكيف يُعقل أن يطلب الشاذلي من الله تعالى هكذا طلب فيفوته قدّس الله سرّه العزيز أن اللهَ تعالى لم يُجب خليله سيدنا إبراهيم عليه السلام إلى طلبٍ مماثل؟ فلقد جاء في القرآن العظيم أن سيدنا إبراهيم عليه السلام كان قد دعا الله تعالى أن يجعل الإمامةَ في ذريته، فكان أن رفض الله تعالى طلبه هذا ولم يجبه إليه وهو من هو عند الله تعالى (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (124 البقرة).

ولقد وثَّق القرآن العظيم هذا الفرق بين آل إبراهيم وبين ذريته، وذلك في الآية الكريمة 54 من سورة النساء (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا). فهذه الآية الكريمة واضحة في تصريحها بأن مَن اختصهم الله تعالى بهذا الفضل العظيم من لدنه هم آل إبراهيم وليس كل ذريته. فمن ذرية سيدنا إبراهيم عليه السلام مَن أنبأنا هذا القرآن بأنهم كانوا يقتلون الأنبياء بغير حق (وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ. لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ. ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُون) (من 110 -112 آل عمران).

ثم ألم يكن أبو لهب، عم الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، من ذرية سيدنا إبراهيم عليه السلام، وهو الذي كان أشد أهل قريش عداوةً له صلى الله تعالى عليه وسلم فاستحق ما جاء بشأنه في القرآن العظيم؟ (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ. مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَب. سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ) (1 -3 المسد).

إذاً فالله تعالى لم يكن ليجعل الإمامة في ذرية سيدنا إبراهيم عليه السلام كلهم جميعاً، إذ جعلها مشروطةً بألا يكون واحدهم من الظالمين فلا يناله عهد الله تعالى. ويصح هذا أيضاً على ذرية حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم؛ فليست كل الذرية المحمدية تستحق أن تُعتبر من “آل محمد” صلى الله تعالى عليه وسلم، فيكون لكل واحدٍ من هذه الذرية أن يتشرف بما جاءنا به القرآن العظيم من ذكرٍ لهذا التشريف، وذلك في آيات كريمة منها: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) (من 33 الأحزاب)، (رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) (من 73 هود)، (وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) (من 113 النساء)، (إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا) (من 87 الإسراء).

إذاً فالأمر كله منوطٌ بألا يكون الواحد من الذرية المحمدية من الظالمين فيستحق بذلك أن يُحرَم نعمةَ الله تعالى على آل البيت.

أضف تعليق