بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
يُصر الخطاب العلمي المعاصر على الخروج بالعلم عن حياديته التي هي واحدةٌ من أهم ما يميِّزه. فالعلم، بحكم كونه واقعياً، لا يملك أن يقول ما يلح هذا الخطاب على تقويله. فهذا العلم هو نتاج إعمال العقل في الواقع، دراسةً لوقائعه وظواهره وأحداثه، وبما يتكفل بتبيان ما انطوى عليه من قوانين هي السبب في حدوث ما يحدث فيه. والعلم، بهذا التعريف المحدِّد لطبيعته، عاجزٌ عن أن يتعامل معرفياً مع ما يتجاوز واقعه الذي نشأ في كنفه. وهو لذلك غير مهيَّأ للتعامل مع الميتافيزيقا، وليس بمقدوره بالتالي أن يقول شيئاً بخصوص أية كينونة ميتافيزيقية. وهذا ما يجعل العلم عاجزاً عن أن ينفي أو يثبت وجود الله تعالى. غير أن الخطاب العلمي المعاصر، بهذا الإصرار منه على أن يصبغ العلم بصبغة الإلحاد، قد جنى على هذا العلم الجناية الكبرى طالما فاته أن الميتافيزيقا، التي تلوثت بها مفرداته، لا يمكن أن تصبح علماً بهذا التعامل “غير العلمي” مع الدين وطروحاته.
وإذا كان الخطاب العلمي المعاصر قد سمح لنفسه بأن يتجاوز حدود المنهج العلمي فيجترئ ويتجاسر على العلم تقويلاً له ما لا ينبغي له، وزجاً به في مسائل لا علاقة له بها، وذلك انتصاراً لميتافيزيقا استعاضت عن تأليه الإله بتأليه الإنسان، فإن الخطاب الديني المعاصر لا ينبغي أن يتقيد بالحدود التي فُرضت عليه من قبل السواد الأعظم من علماء العصر، فلا يزج بنفسه في خضم ما ينشغل به علم هذا الزمان. فالخطاب الديني المعاصر يتوجب عليه أن يقدِّم مقاربته الدينية لما جاءنا به علم العصر من مكتشفات تخص الوجود وأحداثه، وذلك وفق قراءةٍ تقول بأن لهذا الوجود خالقاً، وأن لأحداثه علةً إلهيةً لا أسباب وحدها قادرةٌ على التسبب بحدوثها دون هذه العلة.
وهذه القراءة المؤمنة للوجود وأحداثه حقٌّ مكفولٌ للخطاب الديني المعاصر، طالما لم يتورع الخطاب العلمي المعاصر عن التعامل مع العلم دون أدلجةٍ وتسييس. فإذا كان العلم حيادياً لا قدرةَ له على أن يتخذ جانباً من جانبَي الصراع بين هذين الخطابين المتنافسين على العقول والقلوب، فإنه يحق للخطاب الديني المعاصر ما يحق لغريمه فيكون له بالتالي أن “يوظِّف” العلم في سياقٍ إيماني تتجلى من خلاله القدرة المطلقة لله تعالى، والتي بوسع هذه المقاربة المؤمنة للوجود وأحداثه أن تجلِّيها بأجمل وأبهى صورة. وهكذا ينبغي على الخطاب العلمي المعاصر أن يجعل العلم، المحايد بطبيعته، يتشح بإهاب الدراويش فيصبح علماً يذكر الله تعالى ويدعو إليه. فالخطاب الديني المعاصر لا ينبغي أن ينسى أن ما يتصدَّر سلم أولوياته هو هذه “الدروشة للعلم”، والتي تجعل منه أداةً فاعلةً من أدوات الإرشاد إلى الله تعالى خالق كل شيء.
