بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
من الأمثال الصينية الجميلة أنك إن أردتَ أن تُطعِم جائعاً فلا تتصدَّق عليه بسمكة تُشبعه مرةً واحدة ولكن علِّمه كيف يصطاد السمك فتشبعه مادام حياً. والحال ذاته هو حال مَن لا يكتفي بأن يُعلِّم الآخرين أفكاراً يتداولونها ويُردِّدونها ثقافةً فيما بينهم، بل يشرع بتعليمهم “صنعة التفكير”، فيكون بمقدور الواحد منهم ألا يكون كلَّ حظه من عقله أفكار غيره، التي سرعان ما سينضب مَعينها، ولكن أفكاراً هو مَن يُنتجها بهذا العقل. فالثقافة، إن اقتصرت على ترديد ما أنتجه الآخرون، لن تجعل منك تصبح ما كنتَ لتكونه لو أنك استعنتَ بهذا النتاج على تشغيل “ماكنة الفكر” لديك، فيكون لك بالتالي أن تنتج أفكاراً تضفيها على من حولك. وعقل الإنسان خلقه الله تعالى بقدرةٍ فذة على الإبداع والتجديد والإتيان بكل جديد. إلا أن الغالبية العظمى من بني آدم تؤثر كل ما هو ليس بالصعب العسير، فتراها تجنح إلى حفظ وترديد ما صدر عن الآخرين عوض عن أن تستعين به ليكون لها ما تقوله وتضيفه إلى ما سبق وقاله الآخرون.
إذاً فلتحرص على أن تُعين مستمعك على ألا يكتفي بترديد أفكارك، وذلك بأن تشجعه على أن يُعمِل عقله ليُثمر أفكاراً جديدة لعل أن يكون فيها ما ينفعك وينفع الآخرين.
ولذلك فالتصوف لن يكون أبداً مجرد ثقافة يكتفي بها المتصوف ترديداً لما سبق وأن قاله المتصوفة ولما حدث لهم من عجيب الأمور وغريبها على طريق الله تعالى. فالتصوف يعلِّمك كيف يكون لك ما تقوله أنت وكيف يكون لك من عجيب الأمور وغريبها ما سيردده الآخرون من بعدك. فالتصوف صنعة وليس ثقافة. فلتحرص إذاً على ألا يكون تصوفك لا أكثر من هذا الذي أنت عليه من ترديد أقوال وحكايات المتصوفة، وذلك بأن تستعين بهذه الأقوال والحكايات على أن يكون لك أقوالٌ وحكايات خاصة بك تضيفها إلى ما سبق وأن جاء به من سبقك.
