بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

يفاجؤنا القرآن العظيم برد فعلٍ غير متوقع من الملائكة الكرام عليهم السلام على قرار الله تعالى بأن يجعل في الأرض خليفة. وهذا ما وثَّقته الآية الكريمة 30 من سورة البقرة (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ).
بدايةً، فمن أين تأتَّى للملائكة أن يعرفوا أن هذا الخليفة سيفسد في الأرض هو وذريته وأنهم سيسفكون الدماء؟ فالملائكة لا يعلمون الغيب، وهم لا يعلمون إلا ما يعلمهم الله. وهذا ما بوسعنا أن نتبيَّنه بتدبُّر الآية الكريمة (قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (32 البقرة). ثم ألم يرد في القرآن العظيم ما يُعرِّف الخليفة تعريفاً هو بالتمام والكلية على الضد مما ظنه الملائكة وتوهموه؟ لنتدبَّر الآية الكريمة 26 من سورة ص (يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ). فالخليفة، بهذا المعنى القرآني، هو من يحكم بين الناس بالحق ولا يتَّبع الهوى. وهذا التعريف للخليفة يتناقض مع نظرة الملائكة إليه مفسداً في الأرض يسفك الدماء. ولكن قراءةً غير متحيِّزة لتاريخ الإنسان على كوكب الأرض، بوسعها أن تجعلنا نتفق مع ما رأته الملائكة في الإنسان. فهذا الإنسان قد عاش حياته على هذه الأرض يعادي بنوه بعضهم البعض ويتقاتل الواحد منهم مع الآخر لأتفه الأسباب. وما تاريخ الإنسان إلا سجل حافل بكل ما من شأنه أن يبرهن على تميُّزه بالمقدرة الفذة على الإفساد في الأرض وسفك الدماء.
ولكن السؤال يبقى: لماذا نظرت الملائكة إلى الإنسان فلم تر من بَنيه وذريته إلا أولئك الذين صبغوا أرض هذا الكوكب بمداد من دم؟ ولماذا أُخذت القلة بجريرة الكثرة؟ ولماذا لم تنظر الملائكة إلى تلك القلة من بني آدم ممن استحال عليهم أن يكونوا كالسواد الأعظم، فلم يصدر عنهم إلا كل ما هو خير؟ هذه أسئلة تجعلنا مضطرين إلى إعادة قراءة قصة خلق آدم بعيداً عن الأفكار المسبقة والنظريات الجاهزة! ففي الأمر من الغموض والإبهام ما يستدعي منا وجوب أن نوليه ما يستحقه من اهتمام معرفي علَّ أن يفتح الله تعالى علينا فيهدينا إلى الوقوع على جانب من حقيقة ما حدث فيكون لنا بالتالي أن نتبيَّن من أمرنا ما غاب عنا بسببٍ من إصرارنا على عدم إعمال عقولنا، رغبةً منا في التشبُّث بما خلَّفه الأولون، ظناً وتوهماً بأننا لن يكون بمقدورنا أبداً أن نأتي بأفضل مما سبقونا إليه!
