بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
يعتمد الخطاب الديني التقليدي تفسيرات لكثير من آيات القرآن العظيم لا تتفق مع ما يقول به نصُّها القرآني من حقيقة فات أصحاب هذا الخطاب الوقوع عليها، وذلك لعجزهم عن تدبُّر هذا النَّص بعيداً عن الأفكار المسبقة والنظرة المؤدلجة. ولعل واحدةً من أكثر آيات القرآن العظيم استعصاءً على فهم أصحاب هذا الخطاب هي الآية الكريمة 30 من سورة البقرة (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ). فهذه الآية الكريمة، كما يراها أصحابُ الخطاب الديني التقليدي، تمثِّل التأصيل القرآني لما يذهبون إليه من أن اللهَ تعالى خلق الإنسان وجعله خليفته في الأرض! وهذا التخريج غير الموفَّق هو في حقيقته خروج بالآية الكريمة عن معناها الدقيق والمحدد بما لا يمكن جعله يتفق مع ما يقول به أصحاب هذا الخطاب. فالله تعالى لم يقصد بالخليفة عموم بني آدم، وذلك لأن المقصود لم يكن إلا آدم وحده ولا أحد غيره.
وكلمة “الخليفة” هنا لا ينبغي أن تُحمَّل ما لا طاقة لها به وذلك بجعلها تحمل من المعاني ما يذهب إليه أصحاب هذا الخطاب، وذلك بقولهم إن الخليفة هو مَن يستعمر الأرض ويحكمها ويسيطر عليها. فالخليفة، وفقاً لما يظن ويتوهم هؤلاء، هو من خُلقت الأرض ليكون حاكمَها والمتحكِّم فيها. والخليفة، عند هؤلاء، هو مَن يُقيم القسط والعدل في الأرض ولا يتَّبع هواه وما تأمر به نفسه من سوء. وهذا التعريف للخليفة يتفق مع ما يعتمل داخل صدور أصحاب هذا الخطاب من تطلُّعات وطموحات لا تخفى على مَن يعرفهم حق المعرفة ويعي ما هم عليه من انصياع لما جُبلت عليه الأنفس من تعلُّق بالزعامة والرياسة! فالخليفة، الذي جعله الله تعالى في الأرض، لم يكن غير آدم الذي استُخلف من بعد إهلاك الله تعالى لقومه الذين أفسدوا في الأرض وسفكوا الدماء.
وبذلك يتبيَّن لنا أن المعنى الحرفي لكلمة “الخليفة” في الآية الكريمة 30 من سورة البقرة لا يحتمل على الإطلاق ما ذهب إليه أصحاب الخطاب الديني التقليدي الذين أعجزهم إيمانهم بـ “عظمة الإنسان” عن تدبُّر ما جاء به القرآن العظيم من تعريفٍ لما هو عليه هذا الإنسان من سيء خصال وطباع، كما أعجزهم عن رؤية ما ينطق به تاريخ هذا الإنسان على هذه الأرض من جرائم وفظاعات لا يمكن بحالٍ من الأحوال أن تصدر عن من جعله الله خليفته في الأرض يأمر بالعدل والإحسان!
غير أن لي تفسيراً صوفياً لهذه الآية الكريمة يمكن للإنسان بمقتضاه أن يصبح خليفةً في الأرض. فإذا كان الإنسان لم يُخلق خليفةً، فإنه قد خُلق مؤهلاً ليكون خليفةً؛ فإذا ما استغل الإنسان مؤهلاته الخَلقية هذه، فإن بمقدوره أن يحقق بها ما خُلق ليكونه. وهذا التفسير الصوفي الذي أذهب إليه، يذكِّرنا بما يريده التصوف من المتصوف بسيره على طريق الله تعالى منضبطاً بضوابط هذا الطريق ومحدِّداته الإلهية. فالتصوف يريد من الإنسان أن يغذ السير على هذا الطريق الإلهي، ويفعل كل ما بوسعه ليصبح الخليفة الذي خُلق ليكونه.
