بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
سبق وأن تحدثت في مقالات عدة عن كون الحياة البايولوجية ظاهرةً خارقة للعادة، وأنها لو لم تكن كذلك لكان الكون يعج بها ويزخر. غير أن كل محاولات علماء الأستروبايولوجيا Astrobiology باءت بالفشل إذ لم يتسنَّ لهم أن يعثروا على أي تجلٍّ للحياة البايولوجية على غير كوكب الأرض، وذلك على الرغم من انقضاء ما يقرب من 55 عاماً على انطلاق البحث الجاد عن تجلياتٍ لهذه الحياة في عموم أرجاء الكون. فالحياة البايولوجية يبدو أنها لا تعبأ بنظريات العلماء حيالها؛ فهي تفرض قانونها ولا ترتضي أن يفرض هؤلاء العلماء عليها ما ينبغي وما لا ينبغي وفقاً لتصوراتهم الآيديولوجية التي لا قدرةَ لهم على مقاربة هذه الحياة دون الاستعانة بهذه التصورات التي هي أقرب ما تكون إلى الميتافيزيقا منها إلى ما ينبغي أن يكون عليه العلم بتقيُّده بالواقع، وقائع وأحداثاً وظواهر، دون أن ينشغل عن مُرِّها بحلو ما تجيؤه به النظرية!
وإذا كانت الحياة البايولوجية ظاهرةً خارقةً للعادة تستدعي منا وجوب الالتجاء إلى منظومةٍ فكرية مغايرة لتلك التي نستعين بها على فقه ظواهر الوجود غير الخارقة للعادة، فإن هناك فيما تتميز به تجليات هذه الحياة على كوكبنا الأرضي من تنوع بايولوجي مذهل، ما يستدعي منا ضرورة أن ننظر إلى هذا التنوع فنراه على حقيقته: ظاهرة خارقة للعادة هي الأخرى. فالعلم الذي بين أيدينا عاجز عن أن يقارب هذا التنوع البايولوجي Biodiversity المعجِز فيفقه الأسباب التي جعلت منه واقع الحال الذي لا قدرةَ للحياة البايولوجية على التواجد على كوكب الأرض بدونه. فكل ما في جعبة علماء البايولوجيا التطورية من نظريات لا قدرة لها على الإطلاق على استيعاب هذا الكم الهائل من تجليات الحياة البايولوجية على كوكبنا، وبما يجعل من تنوُّعها البايولوجي تفسِّره هذه النظريات وتعلل له. وكل محاولة لإرجاع الأمر إلى ما يوفِّره هذا التنوع البايولوجي من فرص تضمن بها الحياة بقاء الأنواع في عالمٍ مضطرب يستدعي أن يقدِّم الفرد أقصى ما بمقدوره لتُكتب له النجاة، لن يُكتب لها التوفيق والسداد طالما كان على الدوام بإمكان الحياة أن تقتصر تجلياتها على كم أقل بملايين المرات من هذا الذي يميِّز تنوعها البايولوجي المذهل، وذلك إذا ما هي أرادت أن تتصرف وفق هذا “المنطق العلمي”!
فلماذا إذاً كان على الحياة البايولوجية أن يقتصر وجودها على كوكب الأرض؟ ولماذا كان على هذه الحياة أن تتنوع تجلياتها بهذا الكم المذهل؟ إن الإجابة على هذين السؤالين تستدعي منا أن نستذكر ما انطوى عليه كلاهما من دوران في فلك ما هو خارقٌ للعادة فيكون لنا بالتالي أن نأمل بحصولنا على هذه الإجابة وذلك بإقرارنا بأن الأمر يستدعي وجوب القول بأن هناك ذكاء خارقاً، وقدرةً مطلقةً هما ما جعل ممكناً هذا الظهور للحياة البايولوجية بتنوعها المذهل هذا. وبذلك يتبين لنا ما لتنوع الحياة البايولوجية من قدرةٍ على ترجيح القول بوجود خالقٍ لهذه الحياة هو الله الذي أرادَ أن يُذهل عقل الإنسان بقدرته الفذة على الإيجاد وعلى تنويع ما هو موجود، وذلك حتى لا يضطر هذا العقل إلى الانصياع لنفسه التي جُبلت على القيام بكل ما من شأنه أن يجنح بهذا العقل بعيداً عن النور، صوب ظلماتٍ إن هو مكَّنها منه فلا خروج له منها أبداً.
