ربنا لا تجعلنا نُغيِّر ما بأنفسنا

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَذكرت في منشورات سابقة أن التفسير التقليدي للقرآن العظيم لم يكن موفَّقاً في مقاربته التفسيرية لكثير من آيات هذا القرآن. ولعل واحدةً من أكثر المقاربات التفسيرية التقليدية إخفاقاً هي ما بوسعنا أن نتبيَّنها بتذكُّرنا ما ذهب إليه المفسِّرون التقليديون بتفسيرهم الآية الكريمة (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (من 11 الرعد). فلقد أشاع هؤلاء فينا أن ما ذهبت إليه هذه الآية الكريمة بالإمكان تلخيصه بعبارةٍ مفادها أن الله تعالى لن يغيِّر واقعك إلى واقع آخر أفضل منه إلا بأن تشرع أنت بتغيير هذا الواقع. وهذا تفسيرٌ يدل على قراءةٍ أخفقت في تدبُّر القرآن العظيم وذلك بعجزها عن مقاربته بلغته القرآنية التي أشرتُ في أكثر من منشور سابق إلى أنها ليست بالضرورة متطابقةً مع لغتنا العربية الدارجة. فهذه الآية الكريمة إن استعصى علينا فقه ما انطوت عليه من معنى، فإن القرآن العظيم قد يسَّره الله تعالى للذكر فجعل آياته الكريمة يفسِّر بعضها بعضاً. ولذلك فلن يكون بالعسير علينا أن نتبيَّن إخفاق التفسير التقليدي لهذه الآية الكريمة، وذلك إذا ما نحن تدبَّرناها بقراءتها بآيةٍ كريمةٍ أخرى بمقدورها أن تيسِّر لنا الوصول إلى معناها الجلي البيِّن. وهذه الآية الكريمة هي (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (53 الأنفال).

إذاً فالمقصود بهذا التغيير الإلهي هو ما سيتمخَّض عنه زوال النعمة التي سبق وأن أنعمها الله تعالى على قوم. ولقد أراد الله تعالى أن يُنبِّهنا إلى أن زوال النعمة يتسبب به الإنسان، وذلك بقيامه هو بتغيير العهد والميثاق مع الله تعالى. فالله تعالى ليس هو البادئ بالتغيير ولكنه الإنسان الذي يشرع بهذا التغيير مع الله فيجلب على نفسه تبعات ما غيَّره بنفسه من زوالٍ لنعمة الله تعالى عليه التي كان يرفل فيها قبل قيامه بهذا التغيير. فالآية الكريمة إذاً تدعونا إلى ألا نُغيِّر ما بأنفسنا وليس أن نقوم بتغيير ما بأنفسنا! وهذا هو على الضد مما أوهمنا به التفسير التقليدي لهذه الآية الكريمة!

إذاً فلا تغير ما بنفسك حتى لا يغيِّر الله تعالى ما بك من نعمةٍ أنعمها عليك. ولقد حفل القرآن العظيم بذكر من سبق من أقوام أنعم الله تعالى عليهم فكان أن غيَّروا ما بأنفسهم فاستحقوا بذلك أن يغيِّر الله تعالى ما بهم من نعمة: (أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا. فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا. إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا) (58-60 مريم)، (وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُون) (168 -169 الأعراف)، (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِين. فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُون. فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُون) (75 -77)، (وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) (25 الرعد)، (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا) (155 النساء)، (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور) (7 المائدة)، (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (5 الصف).

إذاً يتبيَّن لنا بتدبُّر هذه الآيات الكريمة أن من أراد أن يُديم الله تعالى عليه أنعُمه، ولا يُغيِّر نعمته التي أنعمها عليه، فليس عليه إلا أن يلزم عهده وميثاقه مع الله تعالى فلا يغيِّر ما بنفسه، وذلك بأن يلتزم بما عاهد عليه الله يوم أن شهد أن لا إله إلا هو وأن محمداً عبده ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم وقال إنه من المسلمين (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) (10 الفتح).

أضف تعليق