بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
الإنسان بخيلٌ بطبعه، مجبولٌ على الشح والتقتير. ومن بُخل الإنسان أنه يبخل عن نفسه. والبخل والشُّح والتقتير من صفات الإنسان التي جاءنا القرآن العظيم بما يشهد لها به واقعه. فلقد جاء في هذا القرآن: (وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ) (من 128 النساء)، (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (من 9 الحشر)، (وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِه) (من 38 محمد)، (قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا) (100 الإسراء).
ومن تجليات الشح عند الإنسان أنه لا يكاد يشكر الله تعالى على نِعمه التي لا تُحصى. ولذلك جاء في القرآن العظيم: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) (من 13 سبأ)، (قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُون) (23 الملك)، (وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) (من 17 الأعراف).
فالواحد منا لا يبادر إلى شكر الله تعالى من تلقاء نفسه، وهو إذا ما عنَّ له أن يكون من الشاكرين فإن شكره لا يأتي إلا من بعد أن يتحقق له الحصول على ما يستوجب الشكر! وإذا كان الإنسان غير ميال بطبعه إلى شكر الله تعالى، وإذا كان الإنسان تضطره العبادة إلى الشكر اضطراراً، فإن القلة القليلة من بني آدم هي من كان شكر الله تعالى ديدنها وعملها، وذلك مصداق قوله تعالى (اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا) (من 13 سبأ).
ويخطئ من يظن أن الأنبياء عليهم السلام ما استحق واحدهم أن يقرِّبه الله بسببٍ مما كان عليه حالُه معه تعالى. فالأنبياء استحقوا تقريب الله تعالى لهم بسببٍ مما تميَّزوا به عن السواد الأعظم من بني آدم. ومن مفردات هذا التميُّز النبوي أن الواحد منهم عليهم السلام كان يلزم شكر الله تعالى فلا يكاد يفارقه (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا) (3 الإسراء)، (فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ) (19 النمل)، (قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ) (من 40 النمل)، (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (120 -121 النحل).
وإذا كانت النِّعَم تدوم بشكر الله تعالى، فإن شكر الله تعالى، كما يقول المتصوفة، يجيؤنا بالنِّعَم. فاحرص على أن تلزم شكر الله تعالى فلا تفارقه ولا تظنن أنك مُطالَب بشكر الله تعالى على ما تحقق لك الحصول عليه من نِعَم الله فحسب؛ فشكر الله تعالى إن أنت واظبتَ عليه كفيلٌ بأن يجيأك بكَم من نِعَم الله تعالى من حيث لا تحتسب. وهذا هو حال العبد الشاكر لله تعالى: فهو يشكر الله فتجيؤه نِعَم الله، وهو يشكر الله على هذه النِّعَم فتبقى ولا تزول، وهو يشكر الله على أنه تعالى ألزمه شكره فلم يقوَ بعدها على مفارقته.
