ما يجمع بين خطابين متناقضين!

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين

يظن البعض من قراء ما أكتب أنني قد ذهبتُ بعيداً في انتقادي لأصحاب الخطاب الديني التقليدي. ولقد فات هذا البعض أنني لم أقصر انتقادي على أصحاب هذا الخطاب المتشدد المتزمت، حيث أنني كنت أتوجه بانتقادي إلى الخطاب العلمي المعاصر بصورة تكاد تكون متساوية. فأنا أعيب على أصحاب هذين الخطابين الآيديولوجيين أنهم كلهم جميعاً يفرضون وصايةً مطلقةً على عقولنا بحجة أنهم الأدرى بما ينبغي على هذه العقول أن تفكِّر! وأصحاب كلا الخطابين لا يريدون من الواحد منا أن يُعمل عقله فيفكر تفكيراً مستقلاً عن القوالب الفكرية الجاهزة التي يريد هؤلاء أن يفرضوها على عقولنا حتى لا يكون بمقدور الواحد منا أن يسائلهم: “من أين لكم هذا؟”، أو يطالبهم بإيراد البرهان على مزاعمهم كما علَّمنا القرآن العظيم: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (من 111 البقرة).

إذاً فإن كلا الخطابين لا يريدان منك أن يكون لك عقلٌ مستقل يفكر بمعزل عن هذه الوصاية الفكرية التي افترضوها على العقل، وكلا الخطابين يريدان أن يفرضا عليك ما ينبغي عليك أن تؤمن به ديناً وعلماً. وكلا الخطابين لا قيام لهما إلا على أساس من الميتافيزيقا، التي وإن تناقضت فإنها تبقى السمة المميزة لكليهما. وبذلك تسقط حجة ذلك البعض من القراء الذين يظنون أنني أنتصر لأحد الخطابين على الآخر؛ إذ أنني لا أقبل بأي منهما، طالما كان كلاهما يقيِّدان العقل ويرفضان أي مشروع فكري تحرري يروم الانعتاق من أسر الصيغ الفكرية الجاهزة التي يحاول كلا الخطابين إرغامنا على الانصياع لما تقضي بها. فالله تعالى خلقك بعقلٍ حر فلا تُسلم قياده لأصحاب الخطاب الديني المتشدد فيضلوك عن سبيل الله ويهدوك إلى صراط الجحيم. والله تعالى خلق لك هذا العقل الذي من العار عليك أن تقدِّمه لأصحاب الخطاب العلمي المعاصر فيعيثوا فيه فساداً، وذلك بجعلك تصدِّق إلحادهم بالله وتؤمن بما يقولون به من تخرُّصاتٍ إن أنت صدَّقت بها فقد كفرتَ بالله الذي تزعم أنك مؤمن به!

أضف تعليق