بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
الإنسان مخلوق بايولوجي مفتونٌ بنفسه. والإنسان لا يدع مناسبةً إلا وانتهزها فرصةً ليعبِّر عن شدة إعجابه وافتتانه بهذه النفس! فالإنسان لا قدرةَ له على مقاربة الواقع دون أن ينظر إليه فيرى نفسه فيه منعكسةً عن مرآة خياله الواسع! والإنسان، إذا كانت هذه هي مقاربته للواقع، فلك أن تتصور كيف هي مقاربته للحقيقة كما تتجلى أمام ناظريه بقرآن الله العظيم، وبغيره من مصادر الحقيقة! ومن ذلك ما قد تبيَّن لنا بإخفاقنا في فقه ما انطوى عليه كثير من آيات هذا القرآن من معنى يسَّره الله تعالى للذكر، ولكن غاب عنا لفرط انشغالنا بأفكارنا المسبقة وقوالبنا الجاهزة ونظرتنا المؤدلجة! ولا أدل على ذلك من التفسير الذي جئنا به لآية أحسن تقويم؛ إذ خُيِّل إلينا أن هذا التفسير يبيح لنا أن نظن ونتوهم أن الله تعالى لم يخلق أحداً في هذا الوجود في أحسن تقويم غير الإنسان! ولقد فاتنا أننا بهذا التعظيم والتفخيم لهذا الإنسان، قد وقعنا في المحظور فحق علينا قول ربنا بأننا ما قدرناه تعالى حق قدره! فهل يُعقل ألا نلحظ ما أوقعنا فيه غرورُنا وتكبُّرنا ونظرتنا إلى أنفسنا من نأي وابتعاد عن تقدير الله تعالى حق قدره؟! فاللهُ تعالى قد قالها صراحةً في قرآنه العظيم، وذلك بأن أبان عن حقيقة خلقه كل شيءٍ متقناً دون أن يعتوره أي نقص (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) (من 88 النمل)، (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) (من 7 السجدة). فهل يُعقَل أن نقصر “خلقة أحسن تقويم” على الإنسان، والله أنبأنا في قرآنه العظيم بأنه “أحسنَ كل شيء خلقه”، وأنه “أتقن كل شيء”؟!
لقد حان الوقت لنعيد تقييم نظرتنا إلى أنفسنا، فلعل في إعادة التقييم هذه ما يجعل منا نُفلح في تقويم هذه النفس التي جعلت الإنسان يُرَد إلى أسفل سافلين، من بعد أن خلقه الله في أحسن تقويم؟! ولن يتأتى لنا ذلك إلا بأن نشرع بالسير على طريق طويل أولى خطواته إقرارنا بالحقائق الثلاث التالية:
- إن الله خلق الوجود كله بكل ما فيه من موجودات في أحسن تقويم.
- إن الإنسان تميَّز عن موجودات هذا الوجود بأنه استحق، بهذه النفس المفتون بها، أن يُرَد من أحسن تقويم إلى أسفل سافلين.
- إن الطريق من أسفل سافلين عودةً إلى أحسن تقويم هو طريق الذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا طريق هناك آخر غيره (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ(1)وَطُورِ سِينِينَ(2)وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ(3)لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ(4)ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ(5)إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ(6)فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ(7)أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِين).
