بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
يظن الحداثيون أن لا مكان للدين في حياتنا المعاصرة إلا من بعد أن تتم غربلته بغربال الحداثة الغربية! فلا ضير من أن نكون متدينين ولكن بشرط أن يكون هذا التدين موافقاً لما تقضي به المنظومة العقلية الغربية التي افترضت لنفسها وصايةً على العقل الإنساني شرقياً كان أم غربياً! فيحق لك بالتالي أن تتديَّن ولكن لا يحق لك أن يخرجك تديُّنك هذا عن المساق العام الذي يساق بموجبه عقلك بمقتضى ما تقضي به شرائط هذه الحداثة! ولذلك فلن يكون للغيب، الذي لا قيام لدين الله تعالى إلا به، مكان في منظومتك الدينية الحداثية المزعومة هذه! وهذا أقرب ما يكون إلى “التديُّن البراغماتيكي” الذي يقول بأن لا ضير هناك من أن تتديَّن بما تشاء من دين، طالما كان ذلك يُشعرك بالارتياح والسعادة، ولكن شريطة أن يكون تديُّنك هذا متوافقاً مع مقتضيات المعقول والواقع فلا يتضمن ما ليس بمقدورهما أن يشهدا له بأنه موجود حقاً وحقيقة!
إلا أن هذه المقاربة الحداثية للتدين، برفضها للجوهر الميتافيزيقي للدين، قد أوقعت نفسها في جملة من التناقضات الفلسفية وذلك لأن وصايتها الفكرية المفترضة على الدين لا تقوم لها قائمة دون منظومة ميتافيزيقية هي الأخرى! ولكن شتان ما بين الميتافيزيقا الدينية وميتافيزيقا العلم المعاصر، وذلك طالما كان الدين قادراً على البرهان على أن منظومته الميتافيزيقية حقيقة بدلالة ما بوسع المعجزات، وصيغتها المعاصرة الكرامات، تقديمه من برهان قاطع بصحتها، وبدلالة عجز العلم عن البرهان على صحة منظومته الميتافيزيقية. فيكفي الدين الإلهي قدرةً على الاستعصاء على أية مقاربة حداثية له، معاصرة أو مستقبلية، أن كرامات أوليائه الصالحين تضطر العلم إلى الإقرار بعجزه المزدوج: فلا هو قادر على أن يعلل لها وفق نظرياته، ولا هو بمقدوره أن يجيء بمثلها.
