بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
لن أتحدث في هذا المنشور عن الظلم الشديد الذي لحق بالتصوف على يد من عاداه جهلاً واتباعَ هوى؛ فكثيرٌ ممن عادى التصوف ما عرف عنه إلا ما تناقلته ألسن وتداولته أقلام مَن لم يتذوقوه ممارسةً واختباراً. ولكني سوف أقصر حديثي في منشوري هذا على مَن جارَ على التصوف وهو يظن أنه من أهله، فكان أن أساء إليه بجهالته وسيء أعماله. فكثيرٌ، ممن يظن الناسُ بهم أنهم متصوفون، لا علاقةَ لهم في حقيقة الأمر بالتصوف من قريبٍ أو بعيد، طالما لم يمس التصوف منهم عقلاً أو قلباً أو نفساً. فالتصوف أبعد ما يكون عما يُظَن أنه مجرد ترديد أقوال دون أن تصاحبها أفعال. والتصوف ليس ثقافةً بالمستطاع التحلِّي بها قراءةً أو سماعاً، وذلك طالما كان التصوف لا قيام له إلا على أساسٍ من مجاهدة النفس التي ابتُلي بها الإنسان مجاهدةً تضطره إلى مناكفتها وتأديبها بالعبادات. فلقد جلب هؤلاء الذين أساؤوا فقه التصوف عليه من العداء ما ليس باليسير إحصاؤه، وذلك بممارساتهم التي لا علاقة لها به، فكان أن قدَّم الواحد منهم لأعداء التصوف كل ما هم بحاجةٍ إليه لينهالوا عليه بالتجريح والانتقاص ظلماً وعدواناً!
وهذا ليس أمراً خاصاً بالتصوف دون غيره من المذاهب والعقائد طالما كان البون شاسعاً على الدوام بين الفكرة وتطبيقاتها. ولذلك كان الأجدر بكل من ناصب التصوف العداء عن جهالةٍ وقلة دراية أن يستذكر هذه الحقيقة التي مفادها أن الحكم على بطلان وفساد معتقد ما لا ينبغي التأسيس له استناداً إلى ما يقوم به مدَّعوه من ممارسات قد تتناقض بالتمام والكلية مع ما يذهب إليه هذا المعتقد.
وسوف أختم بعبارةٍ للعارف بالله سيدي إبن عطاء الله السكندري قدّس الله سرّه العزيز هي عندي دليلٌ وبرهان على ما فات أعداء التصوف من الجُهال به من خير كثير بإعراضهم عن كل ما يمت للتصوف بصلة دون تبيُّن ولا تمحيص: “أتُريد أن تُخرَق لك العوائد وأنت ما خرقتَ من نفسك العوائد؟”. ولك أن تبني على هذا ما شئت مما فات مَن عادى التصوف جهالةً وظلماً من خيره الوارف الظليل.
